في وقت كان فيه السودان يعول على الموسم الزراعي الحالي لتعويض خسائر الحرب الداخلية وإنقاذ ملايين المواطنين من شبح الجوع، جاءت التوترات العسكرية المتصاعدة في المنطقة لتضيف عبئًا جديدًا على القطاع الزراعي المنهك.
فمع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بدأت تداعيات الأزمة تمتد إلى أسواق الوقود والأسمدة عالميًا، لتنعكس بصورة مباشرة على المزارعين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم أمام تكاليف إنتاج غير مسبوقة تهدد بخفض المحاصيل الاستراتيجية بصورة خطيرة.
وتعيش المناطق الزراعية في السودان حالة من القلق المتزايد بعد الارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات الزراعة، الأمر الذي دفع أعدادًا كبيرة من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة خلال الموسم الصيفي الجاري، وسط مخاوف من تراجع حجم الإنتاج الغذائي بنسبة قد تصل إلى 40%، وهو ما يهدد الأمن الغذائي لملايين السودانيين.
وتشير تقديرات وتقارير دولية إلى أن السودان من أكثر الدول تأثرًا بالتقلبات الاقتصادية الناتجة عن الأزمات الإقليمية، خاصة أنه يعتمد بشكل أساسي على استيراد الوقود من الخارج، إلى جانب استيراد نسبة كبيرة من احتياجاته من الأسمدة الزراعية من دول الخليج، وهو ما جعل السوق المحلية عرضة للاضطرابات العالمية وارتفاع الأسعار بصورة متسارعة.
وتسببت الأزمة الحالية في زيادة الضغوط على القطاع الزراعي، الذي يعاني بالفعل من آثار الحرب الداخلية المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث تعرضت سلاسل الإمداد والنقل والبنية التحتية الزراعية لأضرار كبيرة خلال الأشهر الماضية، ما أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي وتدهور القدرة الإنتاجية في العديد من الولايات الزراعية.
وحذرت تقارير صادرة عن خبراء في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” من أن استمرار أزمة الوقود وارتفاع أسعار الأسمدة قد يؤديان إلى انخفاض حاد في إنتاج المحاصيل الأساسية، وعلى رأسها الذرة الرفيعة والدخن، بالإضافة إلى المحاصيل التصديرية المهمة مثل السمسم، والتي تمثل مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية في السودان.
وكشفت مسوحات ميدانية حديثة أن أسعار الأسمدة الزراعية ارتفعت بنحو 67% مقارنة بالعام الماضي، بينما تجاوزت أسعار الوقود، خاصة الديزل المستخدم في تشغيل مضخات الري والآلات الزراعية، أكثر من ضعفي أسعارها السابقة، ما ضاعف الأعباء المالية على المزارعين ودفع الكثير منهم إلى تقليل حجم الزراعة أو التوقف عن بعض الأنشطة الزراعية.
وفي محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، أعلنت الحكومة السودانية عن مجموعة من الإجراءات لدعم المزارعين وتخفيف الضغوط عن القطاع الزراعي، حيث أكد البنك الزراعي السوداني توفير تسهيلات تمويلية جديدة ومدخلات إنتاج بشروط ميسرة وفترات سداد ممتدة، بهدف مساعدة المزارعين على استكمال الموسم الزراعي.
كما أوضحت وزارة الزراعة السودانية أنها تعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية على إنشاء صندوق تمويلي لدعم القطاع الزراعي، إلى جانب تنفيذ خطط لإعادة تأهيل قنوات الري وصيانة المضخات الزراعية المتضررة في عدد من المناطق، في محاولة للحد من آثار الأزمة وضمان استمرار الإنتاج الزراعي خلال الفترة المقبلة.
ورغم تلك التحركات، لا تزال المخاوف قائمة بشأن قدرة السودان على تجاوز الأزمة الحالية، خاصة مع استمرار الاضطرابات السياسية والاقتصادية، وتزايد المخاطر المرتبطة بالأمن الغذائي وارتفاع أسعار الغذاء في الأسواق المحلية، وهو ما قد يدفع البلاد إلى مرحلة أكثر تعقيدًا إذا استمرت التوترات الإقليمية والتحديات الداخلية لفترة أطول.

