كتبت شيماء حمدالله
خطت فرنسا خطوة لتهدئة التوتر الدبلوماسي مع الولايات المتحدة، بعدما أعربت بعثتها الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف عن «أسفها» لتدوينة نشرتها سابقًا على منصة «إكس» وانتقدت فيها تصويت واشنطن ضد تمديد ولاية فولكر تورك، رئيس مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
وجاء البيان الفرنسي في محاولة واضحة لاحتواء الخلاف، بعدما أدى التصعيد إلى تجميد إجراءات الموافقة الأميركية على تعيين السفير الفرنسي الجديد لدى واشنطن.
ولاقى الموقف الفرنسي ترحيبًا في العاصمة الأميركية، وسط توقعات باستئناف إجراءات اعتماد أورليان لوشوفالييه سفيرًا جديدًا لفرنسا لدى الولايات المتحدة، خلفًا للسفير لوران بيلي.
فرنسا تعرب عن أسفها لتدوينة انتقدت واشنطن
قالت البعثة الدائمة لفرنسا لدى الأمم المتحدة في جنيف، في بيان صدر الجمعة، إنها تأسف للتدوينة التي نشرتها في 25 يوليو على منصة «إكس»، والتي شككت في التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حقوق الإنسان على خلفية تصويتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وجاء البيان الفرنسي في يوم ذكرى اعتداءات 11 سبتمبر، مؤكداً أن باريس وواشنطن اتخذتا مؤخرًا موقفين مختلفين بشأن تصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وشددت البعثة على أن هذا التباين اقتصر على تصويت واحد فقط، ولم يكن مرتبطًا بالدفاع عن حقوق الإنسان، في محاولة لتخفيف حدة الانتقادات التي وجهتها التدوينة السابقة إلى الموقف الأميركي.
باريس: الخلاف لا يهدد التحالف مع واشنطن
وأكدت البعثة الفرنسية أن الاختلاف العلني بشأن تصويت واحد لا يمثل عائقًا أمام استمرار الحوار الوثيق مع الولايات المتحدة، كما أنه لا يشكك في التحالف التاريخي بين البلدين أو في قدرتهما على العمل معًا لتعزيز السلام والاستقرار والازدهار.
وأشارت إلى استمرار إمكانية التعاون بين باريس وواشنطن داخل المحافل متعددة الأطراف، في رسالة تهدف إلى الفصل بين الخلاف بشأن تصويت الأمم المتحدة وبين طبيعة العلاقات الاستراتيجية التي تجمع البلدين.
واشنطن ترحب بالموقف الفرنسي
وفي واشنطن، قوبل البيان الفرنسي بترحيب من وزارة الخارجية الأميركية، التي كانت قد علقت إجراءات الموافقة على تعيين السفير الفرنسي الجديد بسبب الأزمة الدبلوماسية.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، طلب عدم الكشف عن هويته، لوكالة فرانس برس إن بلاده أحاطت علمًا بالبيان الفرنسي وتقدره، مضيفًا أن واشنطن تتطلع إلى العمل مع باريس من أجل تعزيز القيم والمصالح المشتركة.
ويشير هذا الموقف إلى احتمال تجاوز الخلاف وعودة إجراءات اعتماد السفير الفرنسي الجديد إلى مسارها المعتاد.
أزمة تعيين السفير الفرنسي الجديد
كانت وزارة الخارجية الأميركية قد جمدت الموافقة على تعيين أورليان لوشوفالييه سفيرًا جديدًا لفرنسا لدى الولايات المتحدة، بعدما اختاره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلفًا للوران بيلي.
ويشغل لوشوفالييه حاليًا منصب رئيس ديوان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.
وعادةً ما تمثل الموافقة الأميركية على اختيار السفير الفرنسي إجراءً شكليًا في العلاقات بين البلدين، إلا أن اعتماد لوشوفالييه ظل معلقًا منذ اندلاع الخلاف على خلفية الموقف الفرنسي من تصويت واشنطن في الأمم المتحدة.
كيف بدأت الأزمة بين فرنسا والولايات المتحدة؟
تعود جذور الخلاف إلى 24 يوليو، عندما صوتت الولايات المتحدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد تمديد ولاية فولكر تورك رئيسًا لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
وانضمت واشنطن في التصويت إلى عشر دول عارضت التمديد، من بينها كوريا الشمالية وروسيا ونيكاراجوا ودول أخرى.
وعقب التصويت، نشرت البعثة الفرنسية على منصة «إكس» تدوينة انتقدت فيها الموقف الأميركي بشدة، وقالت إن الولايات المتحدة كانت «منارة لحقوق الإنسان»، قبل أن تضيف أن الأمر لم يعد كذلك.
وجاءت التدوينة في أعقاب معارضة أميركية شديدة لتجديد ولاية تورك، الذي سبق أن انتقد مرارًا سياسات الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب.
تصعيد أميركي بعد الانتقاد الفرنسي
لم يتأخر الرد الأميركي على الانتقاد الفرنسي، إذ انسحب السفير الأميركي من اجتماع لمجلس الأمن الدولي بعد أيام، عندما أخذ السفير الفرنسي الكلمة، في خطوة عُدّت احتجاجًا على التعليقات التي نشرتها البعثة الفرنسية.
وتطور الخلاف لاحقًا إلى عرقلة وزارة الخارجية الأميركية إجراءات الموافقة على تعيين لوشوفالييه سفيرًا جديدًا لدى واشنطن.
ومع إعلان فرنسا الآن أسفها للتدوينة والتأكيد على أن الخلاف بشأن التصويت لا يمثل تهديدًا للتحالف التاريخي بين البلدين، تبدو باريس وواشنطن أمام فرصة لاحتواء الأزمة وإعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مسارها المعتاد، خصوصًا مع ترقب استئناف إجراءات اعتماد السفير الفرنسي الجديد.




