العقوبات الأميركية تخنق اقتصاد إيران.. تراجع النفط وانهيار الريال يهددان طهران

عقوبات وحصار أمريكي على إيران

كتبت شيماء حمدالله 


تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة مع تصعيد الولايات المتحدة حملتها الرامية إلى خنق الاقتصاد الإيراني، عبر تقييد صادرات النفط وتشديد الإجراءات لمنع طهران من الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها. 


وقالت 3 مصادر إيرانية رفيعة المستوى إن الإجراءات الأميركية الأخيرة أصبحت أكثر تأثيرًا على الاقتصاد، بعدما تسببت في تضييق القنوات المتاحة أمام الحكومة الإيرانية للحصول على العملات الأجنبية وتأمين السلع والمواد الأساسية.


وبحسب المصادر التي تحدثت إلى وكالة «رويترز»، فإن واشنطن كثفت خلال الأسابيع القليلة الماضية ضغوطها الاقتصادية على طهران، في محاولة لدفعها إلى تقديم تنازلات خلال أي مفاوضات مستقبلية، بعدما أخفق الصراع المستمر منذ 6 أشهر في تحقيق هذا الهدف.


تشديد العقوبات يضيق خيارات إيران


رغم نجاح الحكام من رجال الدين في إيران على مدار عقود في الالتفاف على العقوبات الدولية، فإن الإجراءات الأميركية الجديدة وضعت طهران في موقف أكثر حساسية، وفق المصادر الإيرانية الثلاثة.


وأوضحت المصادر أن محاولات حرمان إيران من الوصول إلى شبكات التمويل الدولية في دول أخرى أصبحت تمثل تهديدًا حقيقيًا وملحًا، بعدما اعتمدت طهران لفترة طويلة على هذه الشبكات للحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد وتمويل احتياجاتها.


وسعت الولايات المتحدة مؤخرًا نطاق العقوبات الثانوية التي تستهدف دولًا تتعامل تجاريًا مع إيران، بهدف حرمانها من استخدام الدولار في تسوية معاملات مبيعات النفط وتمويل وارداتها الحيوية من السلع والمواد الخام.


تراجع صادرات النفط الإيرانية


تزامن التصعيد الأميركي مع انخفاض حاد في شحنات النفط الخام الإيرانية، إذ أظهرت بيانات شركة «كبلر» أن الصادرات تراجعت خلال هذا الشهر إلى نحو 260 ألف برميل يوميًا، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يوميًا قبل عام.


ولم تعد تغادر الموانئ الإيرانية سوى كميات محدودة من النفط، يجري نقل بعضها عبر الشاحنات أو القطارات أو القوارب الصغيرة عبر بحر قزوين.


وقال أحد المصادر الإيرانية إن طهران لا تزال تقول إنها تمتلك عشرات الملايين من براميل النفط المخزنة في ناقلات خارج منطقة الحصار، ويمكنها بيعها، إلا أن العقوبات الجديدة قد تدفع الوسطاء إلى الانسحاب من عمليات الشراء أو المطالبة بمبالغ أكبر مقابل المخاطر التي يتحملونها.


وأضافت المصادر أن الضغوط المالية بدأت تؤثر كذلك على قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات، بعدما أصبحت السيولة النقدية المتاحة لديها أقل لدفع العلاوات المرتفعة التي تتطلبها عمليات التهرب من العقوبات بطرق غير مشروعة، ومنها استخدام شركات الواجهة وناقلات النفط غير المسجلة وعمليات التهريب.


أزمة اقتصادية تتفاقم داخل إيران


لا تقتصر الضغوط على قطاع النفط، إذ كان الاقتصاد الإيراني يعاني بالفعل أزمة عميقة قبل الصراع، مع انهيار العملة وارتفاع معدلات التضخم. وزادت الأشهر التي شهدت قصفًا من الأعباء الاقتصادية على طهران، نتيجة الحاجة إلى تحمل فاتورة ضخمة لإعادة بناء الصناعة والبنية التحتية المتضررة.


وتراجع الريال الإيراني خلال الأيام القليلة الماضية إلى مستويات متدنية غير مسبوقة، بعدما هبطت قيمته من نحو مليون ريال مقابل الدولار قبل عام إلى أكثر من 2.2 مليون ريال حاليًا.


وقال أحد المصادر الإيرانية إن مخزونات البنزين في البلاد لا تكفي سوى لشهرين إضافيين، مشيرًا إلى أن إيران تحتاج إلى استيراد البنزين رغم إنتاجها للنفط، بسبب محدودية قدرتها على التكرير.


التضخم يضغط على معيشة الإيرانيين


وتنعكس الأزمة الاقتصادية بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية داخل إيران، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن متوسط التضخم خلال الأشهر الـ12 الماضية بلغ 69.9 بالمئة.


كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات والتبغ بمعدل يقارب ضعف هذا الرقم، في وقت يواجه فيه المواطنون تراجعًا حادًا في القدرة الشرائية وارتفاعًا متواصلًا في تكاليف المعيشة.


وارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 بالمئة خلال الربيع، بينما تراجع عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص مقارنة بالعام السابق، بالتزامن مع انخفاض أوسع في معدل المشاركة في القوى العاملة.


رواتب لا تكفي الاحتياجات الأساسية


وتكشف الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة حجم الضغوط التي يواجهها الإيرانيون، إذ يبلغ متوسط الراتب الشهري نحو 125 دولارًا، بينما تقدر البيانات الرسمية الاحتياجات الأساسية للأسرة بنحو 450 دولارًا شهريًا.


ويعني ذلك أن متوسط الدخل لا يغطي سوى جزء محدود من النفقات الأساسية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة.


مخاوف من عودة الاحتجاجات


يدرك حكام إيران المخاطر التي قد تترتب على استمرار التدهور الاقتصادي، خصوصًا احتمال تجدد الاحتجاجات الواسعة التي اجتاحت البلاد في يناير، وقمعتها السلطات، وفق ما ورد في المعلومات المتداولة بشأن تلك الأحداث، بمقتل آلاف المتظاهرين.


وفي الوقت الذي تتدفق فيه كميات أكبر من الطاقة إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز، رغم المحاولات الإيرانية المستمرة لتعطيل الملاحة فيه، أدى الحصار الأميركي على صادرات النفط الإيرانية إلى قطع المصدر الرئيسي لإيرادات طهران.


تراجع التجارة يزيد الضغوط على طهران


وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن إجمالي حجم التجارة تراجع بما يتراوح بين 25 و35 بالمئة، مع تضرر الواردات بوتيرة أكبر من الصادرات.


ويأتي ذلك في وقت حذر فيه بزشكيان وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين خلال الأسابيع القليلة الماضية من التدهور السريع في الوضع الاقتصادي داخل البلاد.


وتشير التطورات المتلاحقة إلى أن تشديد العقوبات الأميركية لم يعد يضغط فقط على صادرات النفط، وإنما يمتد تأثيره إلى آليات التمويل والتجارة والواردات والعملة المحلية، في وقت تواجه فيه طهران أعباء إضافية مرتبطة بإعادة بناء القطاعات والبنية التحتية المتضررة.


ومع تقلص الموارد المالية وارتفاع تكلفة الالتفاف على العقوبات، تجد إيران نفسها أمام خيارات اقتصادية أكثر محدودية، بينما يبقى احتمال اللجوء إلى التفاوض أحد المسارات التي قد تفرضها الضغوط المتزايدة على الاقتصاد الإيراني.