الجوف على صفيح ساخن.. معركة الحزم تفتح الطريق أمام القوات اليمنية نحو عمران وصنعاء

القوات المسلحة اليمنية

كتبت شيماء حمدالله 


تشهد محافظة الجوف اليمنية تصعيداً عسكرياً متسارعاً، بالتزامن مع تقدم القوات المسلحة اليمنية باتجاه مركز المحافظة، مدينة الحزم، واستعادتها مواقع استراتيجية، من بينها منطقة المساعفة ومعسكر اللبنات، وسط تقارير عن استسلام عناصر حوثية خلال العمليات العسكرية. 


ولا تبدو معركة الجوف مجرد مواجهة للسيطرة على مواقع عسكرية، إذ ترتبط المحافظة بحسابات أوسع تتعلق بخطوط الإمداد والحركة والموارد الاقتصادية وموازين القوى في شمال وشرق اليمن.


وتكتسب الجوف أهمية استثنائية من موقعها الجغرافي، فهي تقع شمال شرقي اليمن وتتصل بصعدة وعمران من الغرب، ومأرب من الجنوب، وتمتد باتجاه حضرموت شرقاً، ما يجعلها حلقة وصل برية بين شمال البلاد ووسطها وشرقها، ويمنح الطرف المسيطر عليها قدرة أكبر على المناورة والتحرك والتأثير في طرق الإمداد والاتصال.


تقدم القوات اليمنية باتجاه الحزم


أفادت وسائل الإعلام الاثنين، بأن القوات المسلحة اليمنية تتقدم باتجاه عمق محافظة الجوف، وتتجه نحو مدينة الحزم، مركز المحافظة، بالتزامن مع استسلام عدد من عناصر ميليشيا الحوثي خلال التقدم.


وتحظى مواقع مثل معسكر اللبنات بأهمية عسكرية، باعتبارها نقاطاً يمكن أن تؤثر في طبيعة الانتشار والسيطرة على المناطق المحيطة. 


كما أن الوصول إلى الحزم يمثل هدفاً سياسياً وعسكرياً بالغ الأهمية، بالنظر إلى كونها مركز المحافظة.


ويأتي هذا التقدم في وقت دفعت فيه ميليشيا الحوثي بمقاتلين إلى أكثر من جبهة، في محاولة لوقف تقدم القوات الحكومية ومنعها من التوغل داخل المحافظة. 


كما استخدمت القوات اليمنية القوة الجوية لدعم عملياتها البرية واستهداف مواقع حوثية يمكن أن تعيق حركة القوات أو تهدد خطوط إمدادها.


لماذا تعد الجوف مهمة عسكرياً؟


تتمتع الجوف بمساحة جغرافية واسعة وتضاريس متنوعة تجمع بين الهضاب والوديان والمناطق الصحراوية، وهو ما يجعلها أشبه بـ"مسرح عمليات مفتوح" يسمح بإعادة الانتشار والمناورة العسكرية.


وتزداد أهميتها بسبب ارتباطها بمحافظات صعدة وعمران ومأرب والمناطق الشرقية، فضلاً عن وجود طرق ومحاور تربط شمال اليمن بوسطه وشرقه. 


ويعني تغير خريطة السيطرة في الجوف إمكانية التأثير في حركة القوات والإمدادات بين عدد من المناطق.


ويرى المحللون أن أهمية الجوف ترتبط بموقعها ومساحتها وقربها من مأرب ومناطق النفط في مأرب وشبوة، موضحين أن ميليشيا الحوثي تمسكت بالمحافظة باعتبارها ورقة ضغط وتهديد للمناطق النفطية.


كما أن انتزاع هذه الورقة من الحوثيين يمكن أن ينعكس على مختلف الجبهات في اليمن، بالإضافة إلى أن تحرير الجوف يفتح أمام القوات اليمنية إمكانية التقدم نحو عمران، التي تعد من معاقل الحوثيين، ومنها باتجاه صنعاء.


الجوف ومأرب.. ترابط عسكري واقتصادي


ترتبط أهمية الجوف كذلك بمحافظة مأرب، التي تعد واحدة من أبرز مناطق الطاقة في اليمن. وتشكل المحافظتان نطاقاً جغرافياً متصلاً في شمال شرقي البلاد، كما تربط بينهما طرق ومحاور ذات أهمية عسكرية ولوجستية.


ولهذا فإن أي تغير في موازين السيطرة داخل الجوف قد ينعكس على محيط مأرب، كما يمكن أن يؤثر في خطوط الحركة والإمداد بين مناطق شمال اليمن وشرقه.


ولا تقتصر أهمية الجوف على الجانب العسكري، فالمحافظة تمتلك مقومات اقتصادية مهمة، وعلى رأسها القطاع الزراعي، مستفيدة من السهول والأودية والتربة الصالحة للزراعة، إلى جانب موارد المياه الجوفية.


28% من الإنتاج الزراعي اليمني


تمثل الزراعة أحد أبرز عناصر القوة الاقتصادية في الجوف، حيث تنتج المحافظة عدداً من المحاصيل، بينها الحبوب والخضراوات والفواكه والأعلاف، فضلاً عن امتلاكها ثروة حيوانية مهمة.


وتشير المعطيات الواردة إلى أن محاصيل الجوف تشكل نحو 28% من إجمالي الإنتاج الزراعي في اليمن، وهو ما يمنح المحافظة دوراً مهماً في دعم الأمن الغذائي، خصوصاً في ظل التراجع الذي أصاب الإنتاج الزراعي في مناطق واسعة من البلاد نتيجة سنوات الحرب.


ومع استمرار العمليات العسكرية والتقدم باتجاه الحزم، تتحول الجوف إلى نقطة تتقاطع عندها الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية. فالمحافظة التي كانت تاريخياً ممراً للتجارة والاتصال، أصبحت اليوم عقدة استراتيجية تجمع بين أهمية الموقع، وقربها من مناطق الطاقة، وتأثيرها في طرق الإمداد، إلى جانب ما تمتلكه من موارد زراعية ومائية وحيوانية.


وتكشف التطورات الميدانية أن الصراع على الجوف لا يدور فقط حول السيطرة على الأرض، وإنما يرتبط أيضاً بمن يمتلك القدرة على الحركة والمناورة والتأثير في محيط مأرب وعمران وصعدة، وهو ما يجعل معركة المحافظة واحدة من أبرز محاور الصراع اليمني في المرحلة الحالية.