موازنة الصحة تقفز إلى 511 مليار جنيه في 2026-2027.. هل تكفي لتغطية تكاليف العلاج؟

موازنة الصحة تقفز إلى 511 مليار جنيه في 2026-2027.. هل تكفي لتغطية تكاليف العلاج؟

ارتفعت موازنة وزارة الصحة من نحو 42 مليار جنيه عام 2014 إلى 511 مليار جنيه خلال العام المالي 2026-2027، بزيادة تقترب من 12 ضعفًا، وفقًا للبيانات التي استندت إليها الوزارة في عرض تطور الإنفاق على القطاع الصحي. وتعكس هذه الأرقام نمو المخصصات الحكومية للصحة على مدار السنوات الماضية، لكنها تطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذه الزيادة على مواكبة ارتفاع تكاليف العلاج وتلبية احتياجات المواطنين.

وتتزامن الزيادة في الموازنة مع ارتفاع تكلفة تقديم الخدمات الطبية، في ظل زيادة أسعار الأدوية والتوسع في استخدام التقنيات العلاجية الحديثة، فضلًا عن احتياج بعض المرضى إلى أدوية وعلاجات باهظة الثمن، قد تصل تكلفتها إلى مئات الآلاف من الجنيهات شهريًا، أو نحو مليون جنيه سنويًا في بعض الحالات. وتفرض هذه الأعباء ضغوطًا إضافية على منظومة العلاج، بما يشمل قرارات العلاج على نفقة الدولة وخدمات التأمين الصحي.

هل تغطي زيادة الموازنة احتياجات المرضى؟

لا يرتبط تقييم كفاية الإنفاق الصحي بحجم المخصصات المالية وحده، إذ يتوقف أيضًا على حجم الطلب على الخدمات الطبية، وتكاليف علاج الأمراض المزمنة والخطيرة، ومدى قدرة المستشفيات على توفير الأدوية والمستلزمات اللازمة، إلى جانب احتياجات تطوير البنية التحتية ورفع كفاءة المنشآت الصحية.

وتتطلب مواجهة هذه التحديات توزيع الموارد بصورة تحقق التوازن بين توفير العلاج للمرضى، وتحديث المستشفيات، وتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية، ودعم الكوادر العاملة بالقطاع. كما تبرز أهمية الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض، بما يسهم في الحد من المضاعفات وتقليل الأعباء المالية التي يتحملها المرضى والدولة.

المحددات الاجتماعية للصحة تتجاوز الإنفاق الطبي المباشر

أكد وزير الصحة أهمية التعامل مع الإنفاق الصحي من منظور أشمل من الموازنة المخصصة للقطاع، من خلال مفهوم «المحددات الاجتماعية للصحة» (Social Determinants of Health)، الذي يوضح مدى ارتباط الحالة الصحية للأفراد بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المحيطة بهم.

ويشمل ذلك مستوى التعليم، وتوافر مياه الشرب النظيفة وشبكات الصرف الصحي، وفرص العمل، وجودة الطرق، وظروف السكن، ومدى حصول المواطنين على الخدمات الأساسية في مختلف المناطق. وتؤثر هذه العوامل في فرص الوقاية من الأمراض، وإمكانية الوصول إلى الرعاية الطبية، ومستوى الصحة العامة وجودة الحياة.

وتزداد المخاطر الصحية لدى الأشخاص الذين يعيشون في بيئات تفتقر إلى المياه النظيفة أو الصرف الصحي أو التهوية المناسبة، مقارنة بمن تتوافر لهم ظروف معيشية آمنة وخدمات أساسية متكاملة. كذلك يؤدي التعليم دورًا مهمًا في تعزيز الوعي الصحي، ومساعدة الأفراد على التعامل مع الأمراض واتباع الإجراءات الوقائية.

تطوير الطرق والمياه والصرف الصحي يدعم الصحة العامة

يمتد تأثير الإنفاق الحكومي على الصحة إلى الاستثمارات الموجهة لتطوير الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والتوسع العمراني، لما لها من دور في تحسين الظروف المعيشية والحد من العوامل التي قد تؤثر سلبًا في صحة المواطنين، إلى جانب الإنفاق المباشر على المستشفيات والمنشآت الطبية.

ويساعد تحسين شبكة الطرق على تسهيل انتقال المرضى إلى المنشآت الصحية، وتقليل الوقت اللازم لنقل الحالات الطارئة، لا سيما في المناطق البعيدة عن المستشفيات الكبرى. كما يسهم تطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية في تقليص الفجوات بين المناطق وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للوقاية من الأمراض.

ومع ذلك، تظل هذه الاستثمارات مكملة للتمويل المباشر المخصص للرعاية الصحية، وليست بديلًا عنه، إذ يتطلب تحسين المؤشرات الصحية الجمع بين تطوير البيئة المعيشية وضمان توافر الخدمات الطبية والأدوية والعلاج.

مؤشرات لقياس كفاءة الإنفاق على الصحة

لا يكفي قياس تطور موازنة وزارة الصحة بمقارنة حجمها في عام 2014 بمخصصات العام المالي 2026-2027، بل يتطلب تقييم كفاءة الإنفاق متابعة أثر هذه الزيادة على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، ومدى توافر الأدوية والمستلزمات الطبية، وجودة الرعاية داخل المستشفيات، وتقليص فترات الانتظار، وتيسير حصول المرضى على العلاج، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة والحالات التي تحتاج إلى تدخلات مرتفعة التكلفة.

ويشمل التقييم أيضًا متابعة نصيب الفرد من الإنفاق الصحي، ومقارنة نمو الموازنة بمعدلات التضخم وارتفاع تكاليف التشغيل والأدوية، فضلًا عن رصد حجم النفقات التي تتحملها الأسر من مواردها الخاصة للحصول على الخدمات العلاجية.

وبذلك، فإن زيادة المخصصات المالية تمثل مؤشرًا على توسع الإنفاق الحكومي على الصحة، لكن الحكم على مدى كفايتها يتطلب ربطها بالنتائج الفعلية، ومدى قدرة المنظومة على توفير علاج مناسب بتكلفة يمكن للمواطنين تحملها.