كتبت شيماء حمدالله
تلقى حزب الله ضربة عسكرية جديدة في جنوب لبنان، بعدما فجرت القوات الإسرائيلية شبكة أنفاق قالت إنها كانت مركز قيادة للحزب في مرتفع علي الطاهر، وتضم مخازن للأسلحة وصواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية الصنع. واعتبر خبراء عسكريون أن تدمير الموقع يمثل خسارة كبيرة للحزب، خصوصًا أن شبكة الأنفاق استغرق إنشاؤها سنوات طويلة، بينما قد يحتاج بناء شبكة مماثلة إلى عقود.
وجاء تدمير الأنفاق بعد نحو أسبوع من إعلان إسرائيل سيطرتها على المرتفع الاستراتيجي، الواقع على مسافة تزيد على عشرة كيلومترات من الحدود الإسرائيلية، والمشرف على مدينة النبطية، إحدى أبرز مدن جنوب لبنان.
إسرائيل تفجر أنفاق حزب الله في علي الطاهر
أعلنت القوات الإسرائيلية تفجير شبكة الأنفاق في مرتفع علي الطاهر، وسط انفجارات ضخمة رصدت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية آثارها وسجلت هزة أرضية بلغت قوتها 4.1 درجات.
وقال الجيش الإسرائيلي إن شبكة الأنفاق كانت تضم عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة المصنوعة في إيران، إلى جانب أنواع أخرى من الأسلحة والذخائر.
وبحسب تقديرات خبراء عسكريين، أنشأ حزب الله هذه الشبكة على مدار نحو عقدين، وكانت تربط بين عدد من قرى المنطقة، ما منحها أهمية دفاعية وعسكرية كبيرة بالنسبة للحزب.
ويرى خبراء أن السيطرة على المرتفع وتدمير التحصينات الموجودة فيه قد يفتحان الطريق أمام القوات الإسرائيلية باتجاه مدينة النبطية، نظرًا للموقع الجغرافي المرتفع الذي يشرف على مناطق واسعة في جنوب لبنان.
خبراء: خسارة كبيرة لحزب الله
وصف العميد المتقاعد في الجيش اللبناني خليل جميّل تدمير موقع علي الطاهر بأنه "خسارة كبيرة" لحزب الله، مشيرًا إلى أن إعادة بناء شبكة أنفاق مماثلة قد تستغرق عقودًا.
وأكد جميّل أن الحزب أصبح مكشوفًا عسكريًا في المناطق المحيطة بالمرتفع، في ظل فقدانه موقعًا محصنًا كان يمثل قاعدة دفاعية مهمة في المنطقة.
من جانبه، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن تدمير الأنفاق أسهم في إنشاء ما وصفه بـ"منطقة أمنية قوية"، مؤكدًا أن إسرائيل تسعى من خلالها إلى حماية سكانها والحفاظ على قدرتها على السيطرة وتهديد حزب الله في عمق الأراضي اللبنانية.
هل هُزم حزب الله عسكريًا؟
رغم حجم الخسارة، لا يرى خبراء عسكريون أن تدمير موقع علي الطاهر يعني انتهاء القدرات العسكرية لحزب الله أو تعرضه لهزيمة شاملة.
ويشير العميد خليل جميّل إلى أن خسارة المرتفع لا تعني أن الحزب "انكسر"، إذ لا يزال يحتفظ بمواقع وبنية عسكرية في مناطق أخرى من لبنان.
وتشمل هذه المناطق مواقع في إقليم التفاح، وهي منطقة جبلية تقع في عمق الجنوب بعيدًا عن الحدود، إضافة إلى مواقع في مرتفعات جزين، فضلًا عن وجوده في منطقة البقاع شرق البلاد وشمالها الشرقي.
ويرى الخبير العسكري حسن جوني أن عدم خوض حزب الله معركة حاسمة للدفاع عن موقع علي الطاهر يمثل مؤشرًا على حالة الضعف التي يعانيها الحزب، خصوصًا بعد الضربات العسكرية المتتالية التي تعرضت لها بنيته العسكرية خلال السنوات الأخيرة.
ضربات متتالية أضعفت قدرات حزب الله
تعرض حزب الله خلال مواجهاته الأخيرة مع إسرائيل لضربات واسعة طالت قياداته وبنيته العسكرية، بعد دخوله مواجهتين خلال أقل من ثلاث سنوات.
وبحسب الخبراء، ألحقت هذه المواجهات أضرارًا كبيرة بقدرات الحزب وأضعفت نفوذه السياسي، بعدما كان يتمتع لسنوات بدور مؤثر داخل المشهد السياسي اللبناني.
وخلال الحربين، فقد حزب الله عددًا من أبرز قادته، وفي مقدمتهم أمينه العام السابق حسن نصر الله، الذي قُتل في سبتمبر 2024.
وسبقت ذلك ضربة كبيرة تمثلت في تفجير إسرائيل مئات أجهزة البيجر وأجهزة الاتصال اللاسلكية التي كان يستخدمها عناصر الحزب، في عملية أحدثت أضرارًا واسعة داخل صفوفه.
كما ألحقت الغارات الإسرائيلية أضرارًا كبيرة بالبنية العسكرية للحزب في جنوب لبنان، بينما تشير السلطات اللبنانية إلى مقتل أكثر من 8900 شخص جراء الضربات الإسرائيلية منذ عام 2023، في حين لا يكشف حزب الله عن أعداد مقاتليه الذين قتلوا خلال المواجهات.
ماذا تبقى من قوة حزب الله؟
رغم الخسائر، لا يزال حزب الله يحتفظ ببنية عسكرية ومواقع في مناطق نفوذه، إلى جانب قاعدة شعبية، وهو ما يجعل الحديث عن هزيمته العسكرية الشاملة سابقًا لأوانه وفق تقديرات الخبراء.
لكن الحزب يواجه في الوقت نفسه تحديات متزايدة، خصوصًا بعد فقدان طريق إمداده عبر سوريا منذ عام 2024، وتراجع قدرته على الاحتفاظ ببعض المواقع الاستراتيجية في جنوب لبنان.
كما لم يعلن الحزب تنفيذ هجمات ضد القوات الإسرائيلية منذ يونيو، عقب تفاهم أميركي إيراني لإنهاء الحرب الإقليمية، بينما واصلت إسرائيل تنفيذ غارات وعمليات تفجير واسعة في جنوب لبنان.
ويضاف إلى الضغط العسكري تحدٍ سياسي داخلي، مع تعهد الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اللذين توليا منصبيهما مطلع عام 2025، ببسط سيطرة الدولة وحصر السلاح بيدها.
ويمثل سلاح حزب الله منذ سنوات نقطة خلاف أساسية داخل لبنان، إذ يتهمه خصومه باستخدام ترسانته العسكرية لخدمة أهداف إقليمية مرتبطة بإيران.
وهكذا، تبدو خسارة علي الطاهر ضربة ثقيلة للحزب، لكنها لا ترقى وحدها إلى مستوى الهزيمة العسكرية الشاملة، في وقت يحاول فيه حزب الله الحفاظ على ما تبقى من مواقعه وقدراته وسط ضغوط عسكرية وسياسية متزايدة.




