أرجأت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، الدائرة الأولى للحقوق والحريات، نظر الدعوى رقم 86751 لسنة 79 قضائية، المطالبة بإلغاء تعليمات تفرض على فئات من النساء الحصول على تصريح مسبق قبل السفر إلى السعودية، إلى جلسة 14 نوفمبر المقبل.
وجاء قرار التأجيل بناءً على طلب هيئة قضايا الدولة، التي طلبت الاطلاع على صورة جواز سفر إحدى المدعيات، إلى جانب المستندات التي قدمت خلال جلسة اليوم، قبل استكمال نظر الدعوى.
وتعود الدعوى، المقامة من المحامي هاني سامح وآخرين، إلى تعليمات بدأ العمل بها في 26 أكتوبر 2024، وألزمت بعض السيدات الراغبات في السفر إلى المملكة العربية السعودية، سواء بغرض الزيارة أو العمل، بالحصول على تصريح مسبق من الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية، مع ضرورة التحقق من «جدية مبررات السفر».
ويتمسك مقيمو الدعوى بأن هذه التعليمات تفرض قيدًا إداريًا على حرية السفر قبل ممارستها، فضلًا عن أنها تميز بين المواطنين وفقًا للجنس والمهنة والمؤهل والحالة الاجتماعية.
كما اعترض مقيمو الدعوى على استخدام وصف «الفئات الدنيا» في تصنيف بعض السيدات الخاضعات لهذه التعليمات، معتبرين أن الأمر يتجاوز حدود التنظيم الإداري إلى فرض تمييز اجتماعي يتعلق بممارسة حق دستوري أصيل، وهو الحق في حرية التنقل ومغادرة البلاد.
وشهدت جلسة اليوم تأجيل القضية بعدما طلبت هيئة قضايا الدولة مهلة لفحص صورة جواز سفر إحدى المدعيات، ضمن المستندات المقدمة في الدعوى، وهو ما دفع الدفاع إلى اعتبار أن النقاش ما زال يدور حول مسائل شكلية مرتبطة بالصفة والمصلحة، بدلًا من الانتقال إلى بحث مشروعية القرار وأساسه القانوني والدستوري.
وأوضح الدفاع أن امتلاك جواز السفر أو عدمه لا ينشئ الحق في حرية التنقل، باعتبار أن هذا الحق مقرر بنص الدستور، بينما يمثل جواز السفر الوثيقة التي تمكن المواطن من ممارسة حقه في السفر.
وأضاف الدفاع أن تقديم جواز السفر ضمن أوراق القضية من شأنه، وفقًا لما تمسك به، إزالة أي خلاف واقعي حول ارتباط إحدى المدعيات بصورة فعلية بممارسة حرية السفر.
وتحظى القضية بأهمية قانونية، في ظل سبق إيداع هيئة مفوضي الدولة تقريرها بالرأي القانوني، والذي انتهى إلى التوصية بقبول الدعوى وإلغاء القرار محل الطعن.
وخلص تقرير هيئة المفوضين إلى أن التعليمات المطعون عليها تمس حرية التنقل، كما تخالف مبدأ المساواة وحظر التمييز بين المواطنين.
واستند التقرير في ذلك إلى المادة 62 من الدستور المصري، التي تكفل حرية التنقل والإقامة والهجرة، وتضع ضمانة خاصة فيما يتعلق بمنع المواطن من مغادرة إقليم الدولة، إذ تشترط أن يصدر المنع بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة وفي الحالات التي يحددها القانون.
كما استند التقرير إلى المادتين 11 و53 من الدستور، اللتين تؤكدان مبدأ المساواة بين المرأة والرجل، وتحظران التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو المستوى الاجتماعي أو لأي سبب آخر.
وأشار تقرير المفوضين إلى أن القرار محل الطعن لا يقتصر أثره على التفرقة بين الرجال والنساء، وإنما يمتد أيضًا إلى التمييز بين النساء أنفسهن، وفقًا لاختلاف المؤهلات والمهن والأوضاع الاجتماعية.
ويرى مقيمو الدعوى أن جوهر النزاع لا يرتبط بمجرد اعتبار الإجراءات المتبعة في المطارات «تنظيمًا إداريًا»، وإنما يتعلق بطبيعة التصريح المطلوب ذاته، موضحين أن منع المرأة من السفر في حال عدم حصولها عليه يجعله، من وجهة نظرهم، قيدًا سابقًا على ممارسة حرية التنقل.
ويؤكد الدفاع أن إطلاق وصف «التصريح» على الإجراء لا يغير من أثره القانوني، طالما أن عدم الحصول عليه يؤدي عمليًا إلى عدم السماح بالسفر، وهو ما تعتبره الدعوى قيدًا على الحرية يحتاج إلى سند دستوري وقانوني.
كما يستند الطعن إلى المادة 92 من الدستور، التي تنص على عدم جواز تعطيل أو الانتقاص من الحقوق والحريات المرتبطة بشخص المواطن، وعدم السماح بأن يؤدي تنظيم ممارسة هذه الحقوق إلى فرض قيود تمس أصلها وجوهرها.
ويرى الدفاع أن الإشكال الدستوري يظهر بصورة أكبر في اشتراط التأكد من «جدية مبررات السفر»، خاصة أن التعليمات، بحسب ما ورد في أوراق الدعوى، لم تضع معيارًا محددًا وواضحًا لمعنى الجدية أو الضوابط التي يتم على أساسها تقديرها.
ويقول مقيمو الدعوى إن غياب معايير دقيقة لتحديد مدى جدية أسباب السفر قد يفتح المجال أمام تقدير إداري واسع، بما يجعل تطبيق القيود مختلفًا من حالة إلى أخرى بحسب تقدير الجهة المختصة.
واستند الطعن كذلك إلى مبادئ سبق أن أرستها المحكمة الإدارية العليا في أحكام حديثة بشأن حرية التنقل، والتي أكدت أن الأصل هو تمتع المواطن بحرية الحركة والتنقل، وأن القيود المفروضة على مغادرة البلاد تمثل مساسًا بالحرية الشخصية، ولا يجوز التوسع فيها خارج الحدود التي حددها الدستور والقانون.
كما يستند مقيمو الدعوى إلى حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 243 لسنة 21 قضائية دستورية، والذي تناول العلاقة بين جواز السفر وحرية التنقل، وأكد مبدأ عدم إطلاق سلطة الجهة التنفيذية في فرض قيود جوهرية على هذه الحرية بعيدًا عن الضوابط التي يقررها الدستور والتشريع.
وتشمل الفئات التي تقول الدعوى إنها تخضع لهذه القيود عند السفر إلى السعودية، ما لم تحصل المرأة مسبقًا على تصريح من إدارة الجوازات، ربات المنازل وغير العاملات والحاصلات على الدبلومات والمؤهلات المتوسطة.
كما تضم القائمة عددًا من الفئات المهنية، من بينها جليسات الأطفال، ومديرات المنازل، والخادمات، والمربيات، والطاهيات، ومصففات الشعر، وخبيرات ومدرسات التجميل، والخياطات، ومصممات الأزياء، وخبيرات التطريز.
وتشمل الفئات أيضًا النادلات والبائعات ومندوبات المبيعات والتسويق والسكرتيرات والممرضات المنزليات والعاملات على السويتش ومشرفات الحضانات وكاتبات الملفات والمشرفات الإداريات.
ويعترض مقيمو الدعوى على إخضاع هذه الفئات تحديدًا لقيد استثنائي على السفر دون غيرها، مؤكدين أن المهنة أو المؤهل الدراسي أو عدم العمل لا ينبغي، من وجهة نظرهم، أن يكون معيارًا لتحديد مدى تمتع المواطنة بحريتها في مغادرة البلاد.
