فرنسا تشتعل باحتجاجات الطلاب.. ربع مليون متظاهر وإصابات خطيرة لقاصرين وقرار حكومي عاجل يضع الشرطة تحت المجهر

احتجاجات فرنسا

كتبت شيماء حمدالله 


تواجه حكومة فرنسا ضغوطًا متزايدة مع اتساع الاحتجاجات الطلابية وتصاعد الجدل بشأن تعامل الشرطة مع التلاميذ، بعد إصابة قاصرين بجروح خطيرة خلال مواجهات أمنية، وانتشار مقاطع مصورة لتدخلات الشرطة، وفتح تحقيقات في وقائع استخدام القوة. 


وبينما تتحدث السلطات في فرنسا عن ضرورة حماية الأمن العام ومواجهة أعمال العنف، تطالب جهات حقوقية بمراجعة الأساليب الأمنية المستخدمة، وضمان تناسبها مع طبيعة الاحتجاجات وأعمار المشاركين.


وبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز، تخضع عشرات الوقائع المرتبطة باستخدام القوة الشرطية للفحص، في وقت أعلنت فيه الحكومة تعليق استخدام القنابل الصوتية خلال التعامل مع الاحتجاجات الطلابية، عقب إصابة تلميذ إصابة بالغة في مدينة لانس شمالي البلاد.


 إصابات خطيرة لقاصرين تثير الجدل حول تدخل الشرطة الفرنسية


أثارت إصابة تلميذ يبلغ 14 عامًا بكسور خطيرة في الفك وأضرار جسيمة في الأسنان جدلًا واسعًا، بعدما أصابته مقذوفة أطلقتها الشرطة خلال مواجهة قرب إحدى المدارس في منطقة باريس. 


ووفقًا لتقارير صحفية، تقدمت أسرته بشكوى، فيما فُتح تحقيق لتحديد ملابسات الواقعة والمسؤولية عن استخدام القوة.


وفي مدينة لانس، فقد تلميذ يبلغ 15 عامًا إحدى يديه إثر انفجار قنبلة خلال تدخل أمني بمحيط مدرسته في 5 أكتوبر. كما أُصيب تلميذ آخر يبلغ 16 عامًا بإصابة خطيرة في العين، يُشتبه في ارتباطها بمقذوفة تستخدمها قوات مكافحة الشغب.


وأعادت هذه الإصابات طرح تساؤلات بشأن سلامة الأسلحة والمقذوفات المستخدمة خلال تفريق التجمعات، ومدى الالتزام بقواعد الضرورة والتناسب عند التعامل مع احتجاجات يشارك فيها قاصرون.


ربع مليون متظاهر في فرنسا.. وأرقام تكشف اتساع الاحتجاجات


بلغت الاحتجاجات ذروتها في 6 أكتوبر، مع خروج أكثر من 250 ألف شخص إلى الشوارع في أنحاء فرنسا، وفق تقديرات وزارة الداخلية التي نقلتها صحيفة «الغارديان»، بينما رفع المنظمون تقديراتهم إلى نحو 450 ألف متظاهر.


وشهدت التحركات مشاركة التلاميذ والمعلمين وأولياء الأمور والنقابيين، وشملت باريس ومرسيليا وليون ومدنًا أخرى، في مؤشر على اتساع نطاق الاعتراضات المرتبطة بأوضاع التعليم والتعامل الأمني مع المحتجين.


وفي أحدث تحرك وطني موثق بتاريخ 8 أكتوبر، أعلنت وزارة الداخلية مشاركة 71 ألفًا و500 شخص، بينهم 24 ألفًا و500 في مظاهرة باريس.


ورغم مرور التحرك الباريسي في معظمه بسلام، شهدت مناطق أخرى أعمال عنف وتخريب، تضمنت إحراق مركز للشرطة في بوردو وتخريب مدرسة في سان إتيان، إلى جانب اعتداءات على معلمين وفق السلطات الفرنسية.


وتعكس الأرقام اختلاف حجم المشاركة بين أيام الاحتجاجات، إذ لا تعني أعداد المشاركين في يوم الذروة استمرار المستوى نفسه في التحركات اللاحقة.


 الحكومة الفرنسية تعلق استخدام القنابل الصوتية بعد إصابة تلميذ


أعلنت الحكومة الفرنسية في 7 أكتوبر تعليق استخدام القنابل الصوتية أو القنابل المذهلة خلال التعامل مع الاحتجاجات الطلابية، إلى حين فحص ملابسات إصابة التلميذ الذي فقد يده في لانس.


وجاء القرار وسط تصاعد الانتقادات بشأن أساليب تفريق التجمعات، وتزايد المطالب بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الإصابات التي لحقت بالقاصرين.


وبحسب رويترز، بلغ عدد الملفات التي يفحصها جهاز التفتيش العام للشرطة الوطنية الفرنسية 24 قضية مرتبطة بالتعامل الأمني مع الاحتجاجات حتى 10 أكتوبر.


كما أحصت الوكالة 28 حالة إصابة مرتبطة باستخدام القوة الشرطية، استنادًا إلى مقابلات ووثائق قانونية، بينها إصابات بالغة شملت فقدان البصر أو تضرر العين، وحالات تسببت في أضرار دائمة.


ولا يعني فتح التحقيقات ثبوت المسؤولية الجنائية في جميع الوقائع، إذ يظل تحديد المسؤوليات مرتبطًا بنتائج التحقيقات والإجراءات القضائية.


 منظمات حقوقية تطالب بمراجعة أساليب فض الاحتجاجات


طالبت منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية، بمراجعة استخدام المقذوفات المطاطية وقاذفات القنابل خلال التعامل مع التجمعات، في ظل الإصابات الخطيرة التي تعرض لها عدد من التلاميذ.


وفي المقابل، تدافع نقابات الشرطة عن ضرورة توفير وسائل تدخل غير قاتلة تتيح التعامل مع أعمال العنف وحماية أفراد الأمن، خصوصًا عندما تتحول التجمعات إلى مواجهات أو اعتداءات.


ويتركز الجدل على كيفية تحقيق التوازن بين حماية الحق في الاحتجاج السلمي، والتعامل مع أعمال الشغب والتخريب، ومنع استخدام القوة بصورة غير متناسبة مع طبيعة الموقف.


 ما مطالب الطلاب في فرنسا؟ أزمة التعليم تتجاوز المواجهات الأمنية


رغم تصدر الإصابات ومشاهد الاشتباكات التغطية الإعلامية، فإن الاحتجاجات ترتبط أيضًا بمطالب تعليمية تتعلق بظروف الدراسة ونقص الإمكانات داخل المدارس.


وتشمل أبرز المطالب:


- نقص المعلمين: شكاوى من غياب المدرسين وعدم تعويضهم بصورة كافية- 


- تدهور المباني المدرسية: مطالب بتحسين الفصول والمرافق وتوفير بيئة تعليمية مناسبة.


الاكتظاظ داخل الفصول: ارتفاع أعداد الطلاب وصعوبة توفير التجهيزات الأساسية.


- طول اليوم الدراسي: جداول دراسية قد تمتد من الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً.


- القبول الجامعي: مطالب بمراجعة نظام «باركورسيب» (Parcoursup)، منصة التقديم للجامعات الفرنسية، التي يصفها منتقدون بأنها مربكة ومصدر للتوتر لدى الطلاب.


وتكشف هذه المطالب عن أبعاد تتجاوز المواجهات مع الشرطة، لتشمل مشكلات مرتبطة بجودة التعليم والموارد المتاحة ومستقبل الطلاب الجامعي.


 وعود حكومية بحلول نهاية أكتوبر.. والطلاب يتمسكون بالتصعيد


وعد وزير التعليم الفرنسي إدوار جفراي بتوفير معلمين إضافيين في الأماكن التي تعاني نقصًا، ومراجعة الجداول الدراسية، والعمل على تحسين نظام القبول الجامعي.


كما تعهد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بتقديم استجابات ملموسة وممولة بالكامل بحلول أواخر أكتوبر، في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد والاستجابة للمطالب التعليمية.


لكن قادة طلابيين اعتبروا الوعود غير كافية، وأعلنوا تمسكهم بمواصلة التعبئة، ما يبقي احتمالات استمرار الاحتجاجات قائمة إلى حين اتضاح مدى تنفيذ التعهدات الحكومية.


هل تنجح الحكومة الفرنسية في احتواء الأزمة؟


لا تسمح المؤشرات الحالية بالجزم بأن الأزمة تتجه نحو التهدئة. فقرار تعليق القنابل الصوتية يمثل استجابة مباشرة لأحد أكثر الملفات حساسية، لكنه لا يحسم الجدل بشأن بقية وسائل تفريق التجمعات، ولا يحدد نتائج التحقيقات المتعلقة بإصابات القاصرين.


وفي المقابل، لا يمكن اختزال الاحتجاجات في استخدام الشرطة للقوة وحده، إذ وثّقت رويترز أيضًا أعمال تخريب واعتداءات على عناصر أمن ومعلمين، بينما تؤكد السلطات أن حماية المدارس والعاملين والطلاب تستلزم التدخل عند وقوع أعمال عنف.


ويتمثل التحدي أمام الحكومة الفرنسية في حماية الاحتجاج السلمي، ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات، وضمان التناسب في استخدام القوة، بالتوازي مع تقديم حلول عملية لأزمة التعليم.


وتضع هذه التطورات باريس أمام اختبار مزدوج خلال الأيام المقبلة: تنفيذ الوعود الحكومية المتعلقة بالمدارس قبل نهاية أكتوبر، وإعلان نتائج واضحة بشأن التحقيقات في إصابات التلاميذ.


وبين المطالب التعليمية والانتقادات الحقوقية، ستحدد استجابة الحكومة مدى قدرتها على احتواء الأزمة واستعادة الثقة.