كتبت شيماء حمدالله
طرح رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونج مقاربة جديدة للتعامل مع البرنامج النووي لكوريا الشمالية، داعيًا الولايات المتحدة إلى بحث إمكانية تجميد تطوير الترسانة النووية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات لدى بيونغ يانغ، مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها، بدلًا من التمسك الفوري بهدف نزع السلاح النووي بالكامل.
وجاءت تصريحات لي في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، نقلت تفاصيلها وكالة رويترز، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار كوريا الشمالية في تطوير قدراتها النووية والصاروخية، بينما لا تزال قنوات الحوار بين الكوريتين محدودة.
لي جاي ميونج: نزع السلاح الكامل قد يمنع أي اتفاق
يرى رئيس كوريا الجنوبية أن التركيز على نزع السلاح النووي الكامل في الظروف الحالية قد يجعل الوصول إلى اتفاق مع بيونج يانج أمرًا بالغ الصعوبة، مقترحًا بدلًا من ذلك البدء بخطوة أكثر محدودية تتمثل في وقف تطوير المزيد من الأسلحة النووية وتكنولوجيا الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.
وقال لي إن هناك قيمة كبيرة في مقايضة العقوبات، التي اعتبر أنها لم تحقق فاعلية كبيرة، بوقف تطوير قدرات نووية وصاروخية إضافية لدى كوريا الشمالية.
وبحسب طرح رئيس كوريا الجنوبية، يمكن أن يمثل تجميد البرنامج النووي عند مستوياته الحالية خطوة أولى تفتح المجال لبناء الثقة، على أن تتبعها لاحقًا حوافز وتنازلات متبادلة قد تدفع بيونغ يانغ إلى خفض ترسانتها النووية.
سياسة سيول تتحول من «نزع السلاح أولًا» إلى «السلام أولًا»
منذ توليه السلطة في يونيو 2025، تبنى لي جاي ميونج نهجًا مختلفًا عن سياسة سلفه يون سوك يول تجاه كوريا الشمالية، معلنًا استعداد سيول للحوار مع بيونج يانج دون شروط مسبقة، مع التركيز على التعايش السلمي.
لكن هذه المقاربة لم تؤد حتى الآن إلى استجابة من كوريا الشمالية للعروض التي قدمتها سيول.
وتقول رويترز إن المسؤولين في كوريا الجنوبية باتوا يصفون النهج الجديد بأنه انتقال من سياسة «نزع السلاح النووي أولًا» إلى «السلام أولًا»، في محاولة لخفض التوتر وفتح مسار تدريجي للحوار بدلًا من ربط أي تقدم بتحقيق نزع كامل للترسانة النووية منذ البداية.
كوريا الشمالية تتمسك بوضعها كدولة نووية
في المقابل، تواصل بيونغ يانغ التأكيد على أن وضعها النووي غير قابل للتراجع. وكانت كوريا الشمالية قد أعلنت خلال الأيام الماضية أن وضعها كدولة نووية «غير قابل للعكس»، رافضة الدعوات الدولية المتعلقة بنزع السلاح النووي.
كما واصلت تطوير قدراتها العسكرية والصاروخية، إذ أعلنت مؤخرًا اختبار سلاح صاروخي جديد بإشراف الزعيم كيم جونغ أون، بينما قال الجيش الكوري الجنوبي إن بيونج يانج أطلقت صاروخين باليستيين قصيري المدى قبالة ساحلها الشرقي.
ويرى لي أن استمرار الوضع الحالي يحمل مخاطر متزايدة، مشيرًا إلى تقديرات كورية جنوبية تفيد بأن كوريا الشمالية قد تكون قادرة على إنتاج، أو ربما تنتج بالفعل، ما بين 10 و20 سلاحًا نوويًا إضافيًا سنويًا.
وحذر الرئيس الكوري الجنوبي من أنه إذا اعتقدت بيونج يانج أنها جمعت عددًا كافيًا من الأسلحة النووية والصواريخ لضمان بقائها، فقد تصبح لديها دوافع لتصدير تلك الأسلحة للحصول على الأموال، وهو ما اعتبره سيناريو بالغ الخطورة.
تعاون متزايد بين بيونغ يانغ وموسكو وبكين
وتأتي المبادرة الكورية الجنوبية في وقت عززت فيه كوريا الشمالية علاقاتها مع روسيا، بالتزامن مع استمرار تحالفها التقليدي مع الصين.
وتشير تقارير إلى حصول بيونج يانج على دعم روسي في تطوير قدراتها العسكرية، في أعقاب توقيع البلدين معاهدة دفاع مشترك عام 2024، إلى جانب استفادة القوات الكورية الشمالية من الخبرات القتالية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، وفق ما نقله محللون لرويترز.
وفي الوقت نفسه، تواصل الصين الحفاظ على علاقاتها مع كوريا الشمالية، الأمر الذي يحد من الحوافز التي يمكن أن تدفع بيونغ يانغ إلى تقديم تنازلات في أي مفاوضات مع واشنطن أو سيول.
هل يعود ترامب وكيم إلى طاولة المفاوضات؟
يتزامن طرح لي جاي ميونج مع حديث متجدد عن إمكانية عقد لقاء جديد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون.
وكان ترامب وكيم قد التقيا ثلاث مرات خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي، إلا أن المسار الدبلوماسي تعثر بعد قمة هانوي عام 2019، التي فشلت في التوصل إلى اتفاق بشأن تخفيف العقوبات وما يمكن أن تقدمه كوريا الشمالية في المقابل على صعيد نزع السلاح النووي.
وفي الوقت الحالي، يسعى ترامب إلى عقد لقاء جديد مع كيم، بينما أعلن لي جاي ميونج اهتمامه بانعقاد القمة. ومن المقرر أن يعرض الرئيس الكوري الجنوبي رؤيته للسلام والتعايش في شبه الجزيرة الكورية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع.
مخاوف من تكريس كوريا الشمالية كقوة نووية
في المقابل، يثير مقترح تجميد البرنامج النووي بدلًا من نزع السلاح الكامل جدلًا حول تداعياته المحتملة.
ويرى منتقدون أن تخفيف العقوبات مقابل تثبيت القدرات النووية الحالية قد يؤدي عمليًا إلى قبول كوريا الشمالية كدولة مسلحة نوويًا، خصوصًا إذا لم يتضمن أي اتفاق آليات واضحة تضمن الانتقال لاحقًا من التجميد إلى خفض الترسانة.
وتظل هذه النقطة واحدة من أبرز العقبات أمام أي مسار تفاوضي جديد، في ظل تمسك بيونج يانج بوضعها النووي، واستمرار تطويرها للقدرات الصاروخية، مقابل محاولة سيول وواشنطن البحث عن صيغة يمكن أن تعيد الحوار إلى شبه الجزيرة الكورية.




