فتح النائب ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ، ملفًا جديدًا حول تفعيل المادة 249 من الدستور، متسائلًا عن فلسفة منح مجلس النواب سلطة إحالة مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور إلى مجلس الشيوخ، وما إذا كانت هذه السلطة تحولت عمليًا من وسيلة لتحقيق التنسيق والتكامل بين غرفتي البرلمان إلى قيد إجرائي يحد من فاعلية الغرفة الثانية.
وقال الشهابي إن المادة 249 بصياغتها الحالية تنص على إحالة مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور إلى مجلس الشيوخ من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب، وهي صياغة تختلف عن الوضع الذي عرفه دستور 1971 بالنسبة لمجلس الشورى، إذ كانت المادة 195 تتحدث عن مشروعات القوانين التي يحيلها إليه رئيس الجمهورية.
وأوضح رئيس حزب الجيل أن هذه المقارنة لا تستهدف العودة إلى دستور سابق، وإنما تستهدف فهم التطور الدستوري الذي حدث في تعديلات عام 2019، متسائلًا: هل كان المقصود من إضافة مجلس النواب إلى جهات الإحالة تحقيق التكامل بين الغرفتين، أم أن الصياغة الجديدة جعلت مجلس الشيوخ عمليًا في انتظار ما يقرر مجلس النواب إحالته إليه؟
وكشف الشهابي، الذي عاصر الحياة البرلمانية ومناقشات التعديلات الدستورية، أن إضافة مجلس النواب إلى جانب رئيس الجمهورية كإحدى جهتي الإحالة كانت محل إصرار من الدكتور علي عبد العال، رئيس مجلس النواب آنذاك، مؤكدًا أن هذه الواقعة تستحق أن تُقرأ اليوم في ضوء التجربة العملية لمجلس الشيوخ بعد عودته إلى الحياة النيابية.
وأشار إلى أن الواقع العملي يقدم مؤشرًا مهمًا، موضحًا أن عدد مشروعات القوانين التي أحالها مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ بلغ 8 مشروعات، قبل أن تسحب الحكومة مشروع قانون المستشفيات الجامعية، ليصبح العدد 7 مشروعات قوانين فقط.
وأضاف أن قانوني الأسرة والمحليات، وهما من القوانين المكملة للدستور، لم يحلهما مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى استفادة الدولة من الإمكانات والخبرات الموجودة داخل الغرفة الثانية.
وأكد الشهابي أن محدودية الإحالات تجعل إعداد جدول أعمال تشريعي منتظم لمجلس الشيوخ أكثر صعوبة أمام هيئة المكتب والأمانة العامة، رغم ما يضمه المجلس من خبرات قانونية واقتصادية وسياسية وعلمية وإدارية، فضلًا عن لجانه النوعية القادرة على دراسة التشريعات دراسة متخصصة.
وأوضح أن قراءة المادة 249 لا يمكن فصلها عن المادة 248 من الدستور، التي حددت لمجلس الشيوخ اختصاصًا أصيلًا في دراسة واقتراح ما يراه كفيلًا بتعميق النظام الديمقراطي وتوسيع مجالاته، ودعم السلام الاجتماعي والحقوق والحريات والمقومات الأساسية للمجتمع.
وأضاف الشهابي أن المادة 248 رسمت فلسفة الدور العام لمجلس الشيوخ، بينما جاءت المادة 249 لتحدد إحدى أدوات ممارسة هذا الدور، من خلال إبداء الرأي في الموضوعات التي حددها الدستور، وفي مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور التي تُحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب.
ومن هنا، أكد الشهابي أن القضية المطروحة ليست تجاوز النص الدستوري أو الانتقاص من اختصاص مجلس النواب، وإنما كيفية تفسير وتطبيق النصين معًا بما يحقق الغاية الدستورية من وجود الغرفة الثانية، ويضمن الاستفادة من خبراتها في مرحلة مبكرة من صناعة التشريع، بدلًا من أن تظل ممارسة هذا الدور مرتبطة بإجراءات الإحالة.
وشدد رئيس حزب الجيل على أن مجلس الشيوخ ليس لجنة تابعة لمجلس النواب، وإنما غرفة ثانية للبرلمان ذات وجود دستوري مستقل واختصاصات حددها الدستور، وبالتالي فإن العلاقة بين المجلسين يجب أن تقوم على التكامل والتعاون، وليس على علاقة رئيس ومرؤوس أو غرفة تأمر وأخرى تنتظر.
وأوضح أن الحديث لا ينصب على الطعن في دستورية المادة 249، فالنص الدستوري واضح في تحديد جهتي الإحالة، وإنما يتعلق بكيفية ممارسة هذا الاختصاص بما يحقق الغاية من وجود مجلس الشيوخ، مؤكدًا أن احترام الدستور لا يعني فقط الالتزام بحرف النص، وإنما أيضًا فهم النص في إطار البناء الدستوري المتكامل وفلسفة إنشاء الغرفة الثانية.
وطرح الشهابي عددًا من التساؤلات، قائلًا: إذا كان مجلس النواب إحدى جهتي الإحالة، فهل يعني ذلك أن يظل مجلس الشيوخ منتظرًا دائمًا لما يحيله إليه مجلس النواب؟ وهل كان المقصود أن يكون مجلس النواب بوابة مجلس الشيوخ إلى العملية التشريعية، أم أن الغاية كانت إقامة علاقة تكامل حقيقية بين غرفتين للبرلمان؟
وأكد رئيس حزب الجيل أن نجاح تجربة مجلس الشيوخ لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد مشروعات القوانين التي تصل إليه، وإنما بمدى قدرة الدولة على الاستفادة من خبراته ورؤاه في تحسين التشريع، داعيًا إلى فتح نقاش دستوري وبرلماني هادئ حول كيفية تحقيق التكامل بين غرفتي البرلمان، دون أن تتحول إحدى أدوات هذا التكامل إلى قيد إجرائي على فاعلية الغرفة الأخرى.
وأشار الشهابي إلى أن هذا النقاش يمهد لسؤال أكثر تحديدًا في رؤيته لتفعيل المادة 249، وهو: متى يجب أن تتم إحالة مشروع القانون إلى مجلس الشيوخ؟
وتساءل عما إذا كان من الممكن أن تتم الإحالة في مرحلة مبكرة، أو بالتزامن مع إحالته إلى مجلس النواب، بما يسمح لمجلس الشيوخ بالمشاركة برأيه وخبرته في وقت مبكر من صناعة التشريع، ويحقق الغاية التي من أجلها أعاد الدستور إنشاء الغرفة الثانية للبرلمان.
