تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان الكوميدي فؤاد راتب، أحد أبرز نجوم الكوميديا الإذاعية في مصر، والذي نجح في أن يحقق ما عجز عنه كثيرون؛ إذ صنع لنفسه مكانة استثنائية في وجدان الجمهور من خلال شخصية واحدة فقط، هي «الخواجة بيجو»، التي تحولت من مجرد دور إذاعي إلى أيقونة شعبية لا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم، رغم مرور عقود على رحيله.
ورغم أن اسمه الحقيقي قد لا يكون معروفًا لدى الأجيال الجديدة بالقدر الكافي، فإن عبارة «الخواجة بيجو» وحدها كفيلة بإعادة جمهور كامل إلى زمن البرامج الإذاعية الذهبية، حين كانت الضحكة تُصنع بالكلمة والصوت وخفة الظل، لا بالمؤثرات أو المشاهد الصاخبة.
وُلد فؤاد راتب في الأول من مايو عام 1930، وعاش طفولته وشبابه في أجواء قريبة من الفن، حيث كان من جيرانه المطرب الكبير عبد الحليم حافظ. إلا أن حياته لم تبدأ داخل الوسط الفني، بل سلك طريقًا أكاديميًا ومهنيًا مختلفًا، فحصل على بكالوريوس التجارة عام 1949، ثم التحق بالعمل في اتحاد الصناعات، وتدرج في مناصب إدارية عدة حتى أصبح مديرًا للعلاقات العامة.
ولم يتوقف طموحه عند حدود الوظيفة، إذ حصل على دورات وشهادات متخصصة في مجالات التخطيط والإحصاء والإدارة، كما عمل في الهيئة الإفريقية الآسيوية للشؤون الاقتصادية، قبل أن ينتقل إلى الكويت عام 1968 للعمل في شركة الأسمدة الكويتية. وبعد انتهاء فترة إعارته، انضم إلى التليفزيون الكويتي وشارك في عدد من لجانه المتخصصة، ليجمع بين النجاح المهني والحضور الفني في آن واحد.
لكن القدر كان يخبئ له شهرة من نوع مختلف. فقد بدأ ارتباطه بالإذاعة منذ سنواته الأولى، عندما اكتشفه الإذاعي حسين فياض، ثم قدمه الإذاعي الشهير محمد محمود شعبان «بابا شارو»، لتبدأ رحلته الحقيقية مع الميكروفون.
وجاءت نقطة التحول الكبرى عام 1952 من خلال البرنامج الإذاعي الأشهر «ساعة لقلبك»، الذي يُعد أحد أهم المحطات في تاريخ الكوميديا المصرية. وهناك ولد «الخواجة بيجو»، الشخصية التي منحها فؤاد راتب روحًا خاصة جعلتها تتجاوز حدود البرنامج لتصبح جزءًا من الثقافة الشعبية المصرية.
وتميزت الشخصية بطريقة كلامها ولهجتها الساخرة وتعابيرها التي أصبحت على ألسنة الجمهور، ومن أشهرها «يا لخوتي» و«يا نور النبي» و«يا النافوخ بتاع الأنا»، وهي عبارات تحولت إلى جزء من ذاكرة أجيال كاملة عاشت زمن الإذاعة المزدهر.
وشكل فؤاد راتب ثنائيًا فنيًا ناجحًا مع الفنان محمد أحمد المصري الشهير بـ«أبو لمعة»، واستطاع الاثنان أن يقدما لونًا كوميديًا مختلفًا يعتمد على الموقف والإفيه وسرعة البديهة. ووسط أسماء عملاقة مثل فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي ومحمد عوض وأمين الهنيدي، نجح «الخواجة بيجو» في أن يحتفظ بمساحته الخاصة ويصنع شعبية استثنائية.
ورغم ارتباطه بالإذاعة، لم يغب فؤاد راتب عن السينما والمسرح والتليفزيون. فقد شارك في عدد كبير من الأفلام التي تنوعت بين الكوميديا والدراما، من بينها «إسماعيل يس في مستشفى المجانين»، و«شارع الحب»، و«حماتي ملاك»، و«إسماعيل يس بوليس سري»، و«عروسة المولد»، و«عروس النيل»، و«الأزواج والصيف»، و«بحبوح أفندي»، وغيرها من الأعمال التي أثرت رصيده الفني.
كما شارك في أعمال تليفزيونية بارزة مثل «درب الزلق» و«الشاطر حسن»، ووقف على خشبة المسرح من خلال مسرحية «حضرة صاحب العمارة»، ليؤكد أن موهبته لم تكن حبيسة الميكروفون، وإن ظل الجمهور يراه دائمًا من خلال ملامح الخواجة بيجو التي التصقت به أكثر من أي دور آخر.
وتكمن فرادة تجربة فؤاد راتب في أنه استطاع أن يحقق الخلود الفني عبر شخصية واحدة تقريبًا. ففي الوقت الذي يسعى فيه الفنانون إلى التنوع المستمر، نجح هو في تطوير شخصية واحدة ومنحها تفاصيل متجددة جعلتها تعيش لعقود طويلة دون أن تفقد بريقها أو قدرتها على إضحاك الجمهور.
وفي 18 يونيو 1986، أسدل الستار على حياة فؤاد راتب بعد صراع مع المرض، ليرحل الجسد ويبقى الصوت. فقد غاب الفنان، لكن «الخواجة بيجو» ظل حاضرًا في تسجيلات الإذاعة، وفي ذاكرة محبيه الذين ما زالوا يستعيدون عباراته وضحكاته كلما عادت برامج الزمن الجميل إلى الأثير.
وبين الوظيفة الإدارية الرفيعة والاستوديو الإذاعي، وبين الاسم الحقيقي والشخصية التي سرقت الأضواء، عاش فؤاد راتب رحلة استثنائية أثبتت أن النجاح لا يقاس بعدد الأدوار، بل بقدرة الفنان على ترك أثر لا يمحوه الزمن. ولذلك بقي «الخواجة بيجو» واحدًا من أشهر الشخصيات الكوميدية في تاريخ الفن المصري، وبقي صاحبه رمزًا لزمن كانت فيه البساطة سر البهجة، والصوت وحده قادرًا على صناعة الضحكة.



