في السادس من يونيو من كل عام، تتجدد ذكرى رحيل الفنان الكبير محمود المليجي، أحد أبرز أعمدة السينما المصرية والعربية، والذي غادر عالمنا في مثل هذا اليوم عام 1983، بعدما ترك وراءه إرثًا فنيًا ضخمًا جعله حاضرًا في ذاكرة الأجيال المتعاقبة.
ورغم مرور سنوات طويلة على رحيله، لا تزال أعماله وشخصياته تشكل نموذجًا فريدًا لفن التمثيل، خاصة في الأدوار التي جسد فيها الشر بملامح إنسانية معقدة، جعلته يتربع على عرش هذا النوع من الشخصيات لعقود طويلة.
ولد محمود المليجي في حي المغربلين بالقاهرة عام 1910، ونشأ في بيئة شعبية أسهمت في تشكيل ملامح شخصيته الفنية لاحقًا. ومنذ سنواته الأولى أبدى اهتمامًا واضحًا بالمسرح والتمثيل، حيث شارك في الأنشطة الفنية المدرسية، قبل أن يقرر خوض الطريق الاحترافي في عالم الفن، متحديًا الصعوبات التي واجهت العديد من أبناء جيله في تلك الفترة.
كانت نقطة الانطلاق الحقيقية في حياته الفنية عندما التحق بفرقة الفنانة فاطمة رشدي في أوائل الثلاثينيات، وهي التجربة التي منحته فرصة الاحتكاك المباشر بالمسرح الاحترافي واكتساب الخبرات اللازمة.
وخلال تلك المرحلة رُشح للمشاركة في فيلم «الزواج على الطريقة الحديثة»، إلا أن المشروع لم يحقق النجاح المنتظر، ما دفعه إلى الابتعاد لفترة قصيرة عن التمثيل والبحث عن مسارات أخرى.
لكن شغفه بالفن لم يدمعه بعيدًا طويلًا، فعاد من جديد إلى الساحة الفنية من خلال فرقة رمسيس التي أسسها الفنان يوسف وهبي، حيث عمل في البداية ملقنًا للنصوص المسرحية، قبل أن يحصل على فرصته كممثل.
ومن هناك بدأت موهبته تلفت الأنظار، خاصة مع قدرته على تقديم شخصيات متنوعة تجمع بين القوة والصدق والبساطة.
وشهد عام 1936 محطة مهمة في مسيرته عندما شارك في فيلم «وداد» أمام كوكب الشرق أم كلثوم، وهو العمل الذي ساهم في توسيع دائرة شهرته داخل الوسط الفني.
وبعدها بثلاثة أعوام، اختاره المخرج إبراهيم لاما للمشاركة في فيلم «قيس وليلى»، ليبدأ تدريجيًا في تثبيت أقدامه داخل السينما المصرية، قبل أن يتحول إلى واحد من أكثر الممثلين حضورًا وتأثيرًا في تاريخها.
وخلال مسيرته الممتدة لعشرات السنوات، قدم محمود المليجي مئات الأعمال السينمائية والمسرحية والإذاعية، وتمكن من تقديم الشر بصورة مختلفة عن السائد آنذاك، فلم يكن يعتمد فقط على الملامح الحادة أو الصوت القوي، بل كان يغوص في أعماق الشخصية، ويمنحها أبعادًا نفسية وإنسانية تجعلها أكثر إقناعًا وتأثيرًا لدى الجمهور.
ومن أبرز المحطات في مشواره الفني، الشراكة التي جمعته بالنجم الراحل فريد شوقي، حيث قدما معًا عشرات الأفلام التي حققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وشكل الثنائي حالة فنية خاصة في السينما المصرية، إذ كان فريد شوقي غالبًا يمثل جانب البطولة الشعبية، بينما يجسد المليجي خصمه القوي الذي يخلق الصراع الدرامي داخل الأحداث.
وكان المليجي يمتلك حسًا ساخرًا في وصف أدواره، إذ قال ذات مرة عن الفارق بينه وبين فريد شوقي: «فريد شوقي مجرم طيب أو مجرم الصدفة، وأنا مجرم السليقة»، وهي العبارة التي اختصرت كثيرًا طبيعة الأدوار التي اشتهر بها كل منهما على الشاشة.
كما ارتبط اسم المليجي بالعديد من الكواليس الطريفة التي تؤكد مدى إخلاصه لفنه، ومن بينها ما حدث أثناء تصوير فيلم «سوق السلاح» عام 1960، حين اندمج في أحد المشاهد القتالية إلى درجة تسببت في إصابة غير مقصودة لفريد شوقي، في واقعة ظلت تُروى لسنوات طويلة باعتبارها دليلًا على التزام نجوم ذلك الجيل بواقعية الأداء وصدق التعبير.
ورغم أن محمود المليجي رحل فجأة أثناء تصوير أحد أعماله الفنية عام 1983، فإن حضوره لم يغب عن الشاشة أو عن وجدان الجمهور. فما زالت أفلامه تُعرض باستمرار، وتبقى شخصياته علامة فارقة في تاريخ الفن العربي، باعتباره أحد أعظم الممثلين الذين نجحوا في تحويل أدوار الشر إلى فن قائم بذاته، وتركوا بصمة لا تمحى في ذاكرة السينما المصرية.



