التحالف الإستراتيجي في حقل ألغام.. لماذا يعجز ترامب عن كبح جماح نتنياهو؟

نرامب ونتنياهو

كشفت مجلة "نيوزويك" الأمريكية أن الحديث المتزايد عن وجود خلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا يعكس بالضرورة انهيار التحالف بين واشنطن وتل أبيب، بل يجسد تباينًا عميقًا في الأولويات والأهداف العسكرية والسياسية، في ظل الحرب المستمرة ضد إيران وحلفائها في المنطقة.


​وأشار التقرير، الذي سطره الكاتب توم أوكونور، إلى أن التوتر بين الرجلين بات أكثر وضوحًا خلال الأشهر الأخيرة؛ إثر دعوات ترامب المتكررة لنتنياهو بتجنب التصعيد العسكري، خوفًا من تقويض المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران. وفي هذا السياق، أكد الرئيس الأمريكي وقوع مشادة حادة بينه وبين نتنياهو بسبب إصرار الأخير على استمرار العمليات العسكرية في لبنان، والذي ترى فيه إيران ساحة مواجهة بالغة الحساسية لأي تفاهم محتمل مع الولايات المتحدة.


​وجاءت الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، وما تلاها من رد إيراني مباشر، لتدفَع ترامب لمطالبة حليفه الإسرائيلي بضبط النفس، وهي الدعوات التي لم تجد استجابة كاملة، مظهرةً فجوة واضحة في إدارة الأزمة.


خلاف تكتيكي وتوافق إستراتيجي

​مع ذلك، يحذر محللون ومسؤولون سابقون من المبالغة في تفسير هذه الاحتكاكات كإشارة إلى قطيعة سياسية. ويرى دان روثم، الباحث في "منتدى السياسة الإسرائيلية"، أن العلاقة بين ترامب ونثانياهو أثبتت صلابتها مرارًا، موضحًا أن الطرفين قد يختلفان تكتيكيًا، لكنهما يظلان متوافقين على الأهداف الإستراتيجية الكبرى.


​وأضاف "روثم" أن أي رئيس أمريكي يمتلك أدوات ضغط هائلة على إسرائيل، سواء عبر الدعم العسكري أو الغطاء الدبلوماسي، مستدركًا:


​"السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ترامب قادرًا على ممارسة هذا النفوذ، بل ما إذا كان يرى أن استخدامه يخدم مصالحه السياسية والإستراتيجية أم لا".


​ولم تكن هذه الأزمة هي الأولى؛ إذ شهدت محطات سابقة توترات مماثلة، أبرزها الحرب على قطاع غزة، حيث دخل ترامب ولايته الثانية دافعًا نحو تثبيت وقف إطلاق النار مع حركة "حماس"، لكنه في الوقت ذاته لم يعارض بقوة العودة للعمليات العسكرية الإسرائيلية بعد تعثر المفاوضات.


​غير أن الملف الإيراني يظل الأكثر تعقيدًا؛ فالرئيس الأمريكي -رغم انخراطه في مسار تفاوضي مع طهران- لم يعترض على الحملة العسكرية الإسرائيلية الواسعة، بل إن الولايات المتحدة شاركت في وقت سابق باستهداف منشآت نووية إيرانية محصنة.


صراع الإرادات.. سقف المطالب الإسرائيلية مقابل براجماتية ترامب

​من جانبه، يؤكد الدبلوماسي الأمريكي السابق دينيس روس أن الخلاف حقيقي ويعكس تضاربًا في المصالح؛ فبينما يركز ترامب على إنهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، وضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا وفق شروط يراها عملية وقابلة للتنفيذ، يسعى نتنياهو إلى أهداف أبعد سقفًا. ويطمح رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى تدمير كامل للبنية التحتية النووية الإيرانية، ومنع إعادة بنائها، فضلاً عن تقويض ترسانة الصواريخ الباليستية والمسيّرات، وتفكيك شبكة حلفاء طهران الإقليميين، معتبرًا أن الحرب يجب أن تستمر حتى إلحاق أكبر ضرر إستراتيجي ممكن بإيران.


​وفي السياق ذاته، يرى دانيال شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، أن مصالح البلدين بدأت في التباعد منذ اندلاع الصراع؛ إذ باتت واشنطن معنية بإنهاء القتال، وتأمين الملاحة البحرية، وتحقيق مكاسب في الملف النووي، بينما يفضل نتنياهو مواصلة الخيار العسكري وعدم الرهان على أي اتفاق مع طهران.


حسابات المعركة ومستقبل التحالف

​ورغم هذا التباين، يشدد "شابيرو" على أن القرار النهائي بشأن إنهاء الحرب سيبقى بيد البيت الأبيض، وأن نتنياهو سيجد نفسه مضطرًا في النهاية للتكيف مع التوجه الأمريكي مهما بلغت تحفظاته.


​وتواجه الحسابات السياسية لنتنياهو مخاطر متزايدة؛ حيث بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته السياسية على أنه "الضامن لأمن إسرائيل" وصاحب "العلاقة الأقوى مع ترامب"، وهو ما قد يهتز مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية في حال استمرار الخلافات.


​ويخلص المحللون إلى أن مستقبل العلاقة بين الزعيمين يعتمد بشكل كبير على سلوك طهران؛ فإذا استمرت المواجهة العسكرية، سيظل التنسيق الأمريكي الإسرائيلي قائمًا بضرورة الحال، أما إذا أحرزت المفاوضات الأمريكية الإيرانية تقدمًا حقيقيًا، فستواجه الشراكة بين ترامب ونتنياهو الاختبار الأصعب لها منذ سنوات.