بينما تتجه أنظار العالم إلى جبهات مشتعلة أخرى، تشهد مياه بحر الصين الجنوبي مواجهة صامتة ومكتومة بين بكين وهانوي. كشف تحليل حديث لوكالة "بلومبرج" الاقتصادية عن تصاعد حاد في مخاطر اندلاع صدام عسكري بين الصين وفيتنام، مدفوعاً بسباق تسليح وهندسة جغرافية غير مسبوق في الممرات المائية الإستراتيجية.
وفقاً لبيانات تتبع السفن الصادرة عن مؤسسة "ستاربورد مارِتايم إنتليجنس"، ضاعفت الصين من وتيرة تحرشها البحري بالمواقع الفيتنامية؛ حيث اقتربت أكثر من مئة سفينة صينية، من بينها خمس وأربعون سفينة تابعة لخفر السواحل وميليشيات بحرية مدعومة من بكين، إلى مسافة تقل عن عشرة أميال بحرية من نقاط التمركز الفيتنامية خلال العام الماضي فقط، وهو ما يمثل تقريباً ضعف الرقم المسجل في العام الأسبق والذي توقف عند سبع وخمسين سفينة.
جغرافيا الصراع والتحصينات الفيتنامية تحت المجهر الصيني
تركزت الاحتكاكات البحرية الصينية بشكل مكثف حول ثلاث نقاط إستراتيجية قامت فيتنام بتسريع عمليات البناء واستصلاح الأراضي فيها، شملت جزيرة "ساند كاي" الرملية الصغيرة التي حوّلتها هانوي إلى موقع عسكري محصن يضم مهبطاً للطائرات المروحية، وجزيرة "نامييت" التي شهدت تحديثات إنشائية واسعة، بالإضافة إلى شعاب "بيتلي" التي تم تزويدها بموانئ جديدة لاستيعاب القطع البحرية الفيتنامية.
وتعكس هذه التحركات معضلة قانونية وسياسية معقدة، فبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يحق لكل دولة إنشاء بحر إقليمي يمتد إلى اثني عشر ميلاً بحرياً حول معالمها البحرية، وهو النطاق الدقيق الذي تتعمد السفن الصينية اختراقه عبر المرور على مسافة عشرة أميال بحرية فقط، في خطوة يراها المراقبون محاولة صينية صريحة لتوجيه رسائل ردع سياسية وعسكرية لهانوي.
حسابات المعقدة بين توازن تو لام وشبح ترامب
يأتي هذا التصعيد في وقت حساس للغاية بالنسبة للرئيس الفيتنامي "تو لام"، الذي يسعى جاهداً لتحقيق توازن دقيق في العلاقات بين القوى الكبرى، لا سيما في ظل أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن الحرب ضد إيران وإغلاق مضيق هرمز التي تهدد إمدادات الوقود الحيوية، وبالتزامن مع الشكوك المستمرة التي يثيرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مدى التزام واشنطن بأمن المنطقة وحلفائها التقليديين.
ودفعت هذه التهديدات الاقتصادية الرئيس الفيتنامي إلى زيارة بكين مؤخراً لتعزيز العلاقات وتأمين احتياطات الوقود، إلا أن هذه البراغماتية الاقتصادية لم توقف وتيرة عسكرة الجزر، حيث تواصل فيتنام تحصين نحو عشرين جزيرة اصطناعية وسط مجموعة من الشعاب المرجانية الضحلة، ويرى خبراء الأمن البحري بجامعة نيو ساوث ويلز أن الإستراتيجية الفيتنامية تهدف إلى بناء ردع كافٍ لمواجهة التكتيكات العدوانية الصينية، محذرين في الوقت ذاته من أن توسيع هذه الجزر الاصطناعية سيزيد بالتبعية من احتمالات وقوع مواجهة بحرية مباشرة.
الفاتورة الاقتصادية الباهظة وحسابات الخسائر العالمية
لا تتوقف خطورة هذا النزاع عند حدود البلدين، فالمواقع المحصنة تقع وسط ممر تجاري عالمي تتدفق عبره تجارة تقدر بنحو أربعة تريليونات دولار سنوياً، فضلاً عن غناها بالثروة السمكية واحتياطيات النفط والغاز غير المستغلة، مما يجعل المنطقة بؤرة توتر ذات تأثير دولي مباشر.
وتشير تقديرات "بلومبرج إيكونوميكس" إلى أن أي اضطراب عسكري في بحر الصين الجنوبي، بالتزامن مع أزمة مضيق هرمز الحالية، سيوجه ضربة قاضية للاقتصاد العالمي، حيث من المتوقع أن يؤدي هذا السيناريو الكارثي إلى انكماش في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تصل إلى واحد واثنين من عشرة بالمئة، وهو ما يعادل خسائر مالية تقارب تريليوني دولار أمريكي.
جبهة موحدة ضد بكين وحلف الضرورة في جنوب شرق آسيا
رغم أن المواجهات العنيفة بين بكين ومانيلا هي التي تتصدر واجهة الأخبار العالمية، إلا أن النزاع الفيتنامي-الصيني بات ينذر بالخطر ذاته، ومما دفع دول المنطقة إلى صياغة جبهة دفاعية موحدة غير معلنة لمواجهة التحركات الصينية المتطرفة، وهو ما عبر عنه وزير الدفاع الفلبيني جيلبرتو تيودورو جونيور بوجود رد فعل إقليمي أوسع ضد الصين مبني على الثقة المتبادلة بين دول المنطقة لتجنب تقويض بعضها البعض.
وقد تُرجم هذا التوجه الجديد إلى خطوات عملية ملموسة، حيث وسعت فيتنام والفلبين تعاونهما في مجال خفر السواحل وتكثيف التبادلات العسكرية وإنشاء خط اتصال ساخن مباشر للطوارئ، كما رفعت إندونيسيا وفيتنام مستوى علاقاتهما الإستراتيجية بعد تسوية تاريخية لترسيم الحدود البحرية، وعززت الفلبين علاقاتها الأمنية مع تايوان عبر دوريات مشتركة في قناة باشي، بينما تخلت ماليزيا عن حذرها التاريخي وزادت من وتيرة تنسيقها الأمني مع الجيران، مما يؤكد أن مياه بحر الصين الجنوبي تحولت إلى بارود ينتظر شرارة غير محسوبة لتفجير أزمة دولية شاملة.

