كتبت شيماء حمدالله
تحولت الأمطار المصاحبة لأول منخفض جوي يضرب قطاع غزة إلى كارثة إنسانية جديدة، بعدما أغرقت المياه عشرات آلاف خيام النازحين، وتركت آلاف العائلات في مواجهة البرد والتشرد دون مأوى يحميها من قسوة الشتاء، وسط عجز فرق الإنقاذ عن التعامل مع حجم الأضرار ونقص المعدات والإمكانات.
وكشف مكتب الإعلام الحكومي في غزة أن نحو 70 ألف خيمة تؤوي عشرات آلاف النازحين غرقت خلال 12 ساعة فقط، فيما تلقى الدفاع المدني أكثر من 1500 بلاغ استغاثة من عائلات حاصرتها المياه، وسط تحذيرات من تفاقم الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض والأوبئة.
غرق 70 ألف خيمة في غزة وانهيار مبانٍ متضررة
أعلن مكتب الإعلام الحكومي في غزة، الذي تديره حركة حماس، أن المنخفض الجوي تسبب في غرق نحو 70 ألف خيمة خلال الساعات الاثنتي عشرة الأولى من هطول الأمطار، بالتزامن مع انهيار عشرات الجدران والأسقف المتصدعة في مناطق متفرقة من القطاع.
وأسفرت الانهيارات عن وقوع إصابات، بينها حالات خطيرة، بينما اضطرت مئات العائلات إلى مغادرة مخيمات النزوح في مدينة غزة ومناطق شمال القطاع ووسطه، بعدما تسربت مياه الأمطار إلى خيامها وأغرقت الفراش والملابس والمستلزمات الأساسية.
وتكشف هذه التطورات حجم هشاشة أماكن الإيواء التي يعيش فيها النازحون، خصوصاً مع افتقار معظم الخيام إلى وسائل الحماية من الأمطار والبرد، وعدم توافر بدائل سكنية آمنة للعائلات المتضررة.
1500 بلاغ استغاثة والدفاع المدني يطالب بتدخل دولي
من جانبه، أعلن المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل، تلقي أكثر من 1500 بلاغ استغاثة خلال ساعات الليل، من مواطنين يطلبون المساعدة العاجلة بعد غرق خيامهم بفعل الأمطار.
وأوضح بصل، وفق تقرير لوكالة فرانس برس، أن فرق الدفاع المدني تعمل في ظروف شديدة الصعوبة، دون المعدات والإمكانات اللازمة للتعامل مع تداعيات المنخفض الجوي، موجهاً نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية للتدخل وإنقاذ مئات آلاف النازحين.
وقال: «لا نستطيع مواجهة تداعيات هذا المنخفض وحدنا»، في إشارة إلى حجم الاحتياجات الإنسانية واللوجستية التي تتجاوز قدرات فرق الإنقاذ الموجودة في القطاع.
عائلات غزة تفقد ملابسها وفراشها تحت مياه الأمطار
لم تقتصر تداعيات المنخفض الجوي على غرق الخيام، بل امتدت إلى فقدان العائلات النازحة ما تبقى لديها من ممتلكات أساسية، في وقت تتزايد فيه صعوبة توفير الاحتياجات اليومية مع استمرار الظروف المعيشية القاسية.
وقالت أم محمد الهرش، البالغة 45 عاماً، والتي تقيم مع عائلتها داخل خيمة غرب مدينة غزة: «لم نتمكن من إنقاذ الفراش، والملابس كلها غرقت. معاناتنا تتكرر في كل فصل شتاء».
وفي دير البلح وسط القطاع، تحدثت مريم عودة، البالغة 34 عاماً، عن معاناتها مع أطفالها بعد غرق خيمتهم، مؤكدة أنها لم تعد تعرف كيف تحميهم من الأمطار والبرد، وأضافت: «أطفالي يسألونني أين سننام الليلة، ولا أجد جواباً».
غزة تحتاج إلى 200 ألف كرفان لإيواء النازحين
وفي سياق متصل، كشف عضو مجلس بلدية غزة والمسؤول في لجنة الطوارئ مصطفى قزعاط أن إسرائيل لم تسمح، منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بإدخال كرفانات سكنية جاهزة لإيواء النازحين، بينما اقتصرت الموافقات على إدخال أعداد محدودة من الخيام.
وأوضح قزعاط، في تصريحات لوكالة فرانس برس، أن القطاع يحتاج بصورة عاجلة إلى نحو 200 ألف كرفان لتوفير أماكن إيواء مناسبة للعائلات التي فقدت منازلها، إلى جانب معدات ثقيلة لإزالة ركام المباني المدمرة وفتح الطرق الرئيسية.
وأشار إلى ضرورة توفير الكهرباء ووسائل التدفئة، باعتبارها من الاحتياجات الأساسية لمواجهة الظروف الجوية القاسية، خصوصاً مع تزايد أعداد العائلات التي تعيش داخل خيام لا توفر الحماية الكافية من الأمطار والبرد.
الأونروا تحذر من احتياجات الإيواء وتحالف مدني يطالب بإدخال المساعدات
وتتزامن الكارثة مع تحذيرات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» من أن نحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة بحاجة إلى مساعدات الإيواء، في ظل اتساع حجم الأضرار التي لحقت بالمنازل ومراكز النزوح.
كما طالب تحالف منظمات المجتمع المدني بإلزام إسرائيل بالسماح بإدخال المساعدات الإنسانية ومستلزمات الإيواء والإنقاذ، لمواجهة التداعيات المتفاقمة للمنخفض الجوي وتوفير الحماية للنازحين.
وتثير أزمة منع إدخال الكرفانات والمعدات الثقيلة مخاوف من استمرار تدهور الأوضاع، خصوصاً مع التحذيرات من انتشار الأوبئة والأمراض نتيجة تراكم المياه وتدهور الظروف الصحية داخل مخيمات النزوح.
وقف إطلاق النار لم ينهِ الأزمة الإنسانية في غزة
تأتي هذه التطورات رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، بعد عامين من الحرب التي اندلعت عقب هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.
ورغم التوصل إلى الاتفاق بوساطة مصرية وقطرية وأميركية، فإن الضربات الجوية والعمليات العسكرية الإسرائيلية لا تزال مستمرة في مناطق مختلفة من القطاع، بالتزامن مع أزمة إنسانية تتفاقم بفعل تدمير البنية التحتية ونقص المساعدات وغياب أماكن الإيواء المناسبة.
ومع استمرار هطول الأمطار، يواجه آلاف النازحين اختباراً جديداً للبقاء، بعدما تحولت الخيام التي لجأوا إليها هرباً من الحرب إلى أماكن تغمرها المياه، وسط احتياجات عاجلة تتجاوز توفير المساعدات الغذائية إلى تأمين مأوى آمن يحمي العائلات من برد الشتاء.



