كتبت شيماء حمدالله
يقف الشرق الأوسط أمام منعطف عسكري وسياسي بالغ الخطورة، مع تصاعد المؤشرات على احتمال تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وتزداد المخاوف بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية بخسارة كبيرة للحزب الجمهوري، في وقت كان الرئيس دونالد ترامب قد ربط اتخاذ قراره بشأن توجيه ضربة جديدة لإيران بما بعد الانتخابات.
وتفتح النتائج الانتخابية الباب أمام تساؤلات بشأن حسابات ترامب المقبلة: هل يدفعه تراجع نفوذ حزبه داخل الكونغرس إلى تصعيد عسكري ضد طهران لاستعادة زمام المبادرة السياسية، أم يتجه إلى إعادة تقييم خياراته والبحث عن تسوية دبلوماسية تحد من خسائر واشنطن وتجنب المنطقة حربًا جديدة؟
وجاءت الضربة الأمريكية المحدودة التي استهدفت جزيرة قشم الإيرانية في الثالث من نوفمبر، قبل يوم واحد من الانتخابات، لتضيف مزيدًا من الغموض إلى المشهد. واستهدفت العملية منشأة للدفاع الجوي الإيراني، بعد مراقبة أعمال إنشائها لمدة شهرين تقريبًا.
ووصف ترامب العملية بأنها ضربة محددة الأهداف، وليست بداية لحرب أوسع، مدعيًا أن القوات الأمريكية دمرت المنشأة فور دخولها الخدمة.
لكن استمرار التحركات العسكرية، بالتزامن مع تعثر المسارات السياسية وتزايد الضغوط الداخلية على واشنطن وتل أبيب، يثير مخاوف من أن تكون المنطقة بصدد مرحلة جديدة من التصعيد، قد تتجاوز تداعياتها حدود الشرق الأوسط لتطال الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
قطر تواصل الوساطة وإيران تربط التهدئة بوقف الحرب على جميع الجبهات
أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، استمرار الدور القطري في الوساطة بين طهران وواشنطن، من خلال نقل الرسائل والمواقف بين الطرفين، في محاولة لإبقاء قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة.
وشدد بقائي على أن استعادة الأمن والاستقرار الإقليميين تتطلب تلبية المطالب الإيرانية، مؤكدًا أن الوقف الشامل للأعمال العدائية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، يمثل شرطًا أساسيًا لأي اتفاق محتمل.
وأشار إلى استمرار تبادل الرسائل بين إيران والولايات المتحدة عبر الوسطاء، على غرار ما جرى في مراحل سابقة، في وقت تتمسك فيه طهران بموقفها الرافض لأي ضغوط عسكرية أو سياسية.
كما حذر من أن القوات الإيرانية لا تزال في أعلى درجات الجاهزية الدفاعية، وأنها مستعدة للرد بحسم على أي تحرك عسكري يستهدفها.
وتعكس التصريحات الإيرانية تمسك طهران بربط أي تفاهم سياسي بتطورات المواجهة الإقليمية، وعدم قصر المفاوضات على الملف الثنائي مع واشنطن.
تكلفة الحرب على الولايات المتحدة تتجاوز 47 مليار دولار
لا تقتصر تداعيات المواجهة مع إيران على الخسائر العسكرية والسياسية، إذ تواجه الولايات المتحدة فاتورة مالية متصاعدة نتيجة العمليات العسكرية والأضرار التي لحقت بمنشآتها في الشرق الأوسط.
ووفقًا لبيانات البنتاغون، بلغت تكلفة الحرب نحو 47.1 مليار دولار، دون احتساب النفقات الإضافية الكبيرة المرتبطة بإصلاح القواعد العسكرية المتضررة في المنطقة.
وتكشف البيانات عن تعرض 274 مبنى في 24 موقعًا عسكريًا لأضرار خلال الأشهر الستة الأولى من الصراع، بينما تضرر ما لا يقل عن 119 مبنى في 13 قاعدة عسكرية خلال الأسبوعين الأولين من الحرب وحدهما.
وتشير تقديرات مسؤولين بالحكومة الأمريكية إلى أن إصلاح المنشآت المتضررة قد يكلف ما لا يقل عن 5 مليارات دولار، بينما ترفع تقديرات داخلية أخرى حجم الفاتورة إلى نحو 15 مليار دولار.
وقد تتجاوز تكاليف إعادة البناء وحدها 4 مليارات دولار، دون احتساب الأضرار التي طالت أنظمة الأسلحة والمعدات العسكرية والبنية التحتية التكنولوجية.
الذخائر والصواريخ تستحوذ على النصيب الأكبر من فاتورة الحرب
تُشكل الذخائر والمعدات العسكرية جزءًا رئيسيًا من الإنفاق الأمريكي المرتبط بالحرب، إذ تشير أرقام البنتاغون إلى أن تكلفة استبدال الصواريخ والأسلحة المستخدمة خلال العمليات قد تتجاوز 29 مليار دولار.
كما تُقدر الخسائر الإضافية الناتجة عن فقدان المعدات والمنصات العسكرية بنحو 6 مليارات دولار، وتشمل طائرات ومجموعات كبيرة من الطائرات المسيّرة.
ولا تعكس هذه الأرقام التكلفة الكاملة لإعادة بناء المنشآت العسكرية المتضررة، وهو ما يفتح الباب أمام ارتفاع إجمالي الفاتورة إلى مستويات تتجاوز بكثير الرقم المعلن البالغ 47.1 مليار دولار.
وعلى مستوى الخسائر البشرية، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية مقتل 23 فردًا من القوات المسلحة خلال العمليات المرتبطة بالصراع منذ اندلاعه.
وتضع هذه الأرقام الإدارة الأمريكية أمام معادلة صعبة، تجمع بين استمرار الضغوط العسكرية وتزايد الأعباء المالية، في وقت تتصاعد فيه التحديات السياسية داخل واشنطن.
إسرائيل تترقب ما بعد انتخابات الكونغرس وتدرس توقيت المواجهة الجديدة
أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، في الثالث من نوفمبر، بأن الرابع من نوفمبر قد يمثل نقطة تحول في تحديد توقيت أي هجوم جديد محتمل على إيران، بالتزامن مع إعلان نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وبحسب التقييمات العسكرية الإسرائيلية، لم يعد النقاش يتركز فقط على احتمال اندلاع مواجهة جديدة، بل امتد إلى توقيت حدوثها والظروف السياسية والعسكرية التي قد تسبقها.
وتعمل واشنطن، وفقًا للتقارير، على ثلاثة مسارات دبلوماسية متوازية مع طهران، عبر باكستان وقطر وروسيا.
لكن التقديرات الإسرائيلية تنظر بحذر إلى فرص نجاح هذه المفاوضات، انطلاقًا من اعتقاد بأن إيران قد تستخدم المسار الدبلوماسي لكسب الوقت وتعزيز قدراتها.
وترى إسرائيل أن تعثر المفاوضات أو انهيارها قد يمنح الإدارة الأمريكية مبررًا لاستئناف العمليات العسكرية، وهو ما يجعل مستقبل الاتصالات الدبلوماسية عاملًا حاسمًا في تحديد مسار المرحلة المقبلة.
خسارة الجمهوريين وقلق نتنياهو.. هل تتغير حسابات ترامب تجاه إيران؟
تأتي خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي لتضيف ضغوطًا جديدة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما فقد حزبه السيطرة على مجلسي الكونغرس، وهو تطور قد يؤثر في قدرته على تمرير سياساته وإدارة الملفات الخارجية.
وكان ترامب قد منح المسار الدبلوماسي مزيدًا من الوقت مراعاةً للتداعيات السياسية للانتخابات، لكن النتائج قد تدفعه إلى إعادة حساباته بشأن التعامل مع إيران.
وعلى الجانب الإسرائيلي، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطًا سياسية متزايدة بعد الانتكاسة التي تعرض لها في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 27 أكتوبر.
ورغم استمراره في منصبه، يواجه نتنياهو احتمال فقدان السلطة، فضلًا عن احتمال تعرضه للسجن إذا تمكن منافسه غادي آيزنكوت من تشكيل حكومة بالتعاون مع الكتلة العربية.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من أن يسعى نتنياهو إلى إقناع ترامب بتبني خيار عسكري واسع ضد إيران، بما قد يغير المشهد السياسي والأمني في المنطقة، ويمنحه فرصة لإعادة ترتيب أوراقه الداخلية.
بالتوازي مع ذلك، رفع الجيش الإسرائيلي مستوى جاهزيته الدفاعية، خصوصًا داخل منظومات الدفاع الجوي وقيادة الجبهة الداخلية.
كما تشير التقارير إلى إعداد خطط عملياتية قابلة للتنفيذ الفوري، تتضمن قائمة واسعة من الأهداف المحددة مسبقًا والمخصصة لسلاح الجو الإسرائيلي.
وتعكس هذه الاستعدادات احتفاظ إسرائيل بقدرتها على التحرك العسكري السريع، حال صدور قرار سياسي باستئناف الهجوم على إيران.
هل تنجح الدبلوماسية في منع حرب إقليمية جديدة؟
تتداخل الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية لتضع الشرق الأوسط أمام مرحلة شديدة الحساسية، خصوصًا مع استمرار الغموض بشأن مستقبل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وارتفاع مستويات الاستعداد العسكري لدى الأطراف المعنية.
ورغم تصاعد التكهنات بشأن احتمال توجيه ضربة نووية، فإن هذه الادعاءات لا تزال غير مؤكدة، بينما تشير التطورات القائمة إلى استمرار العمليات العسكرية التقليدية ورفع مستويات التأهب الدفاعي.
وتكمن الخطورة الحقيقية في احتمالات اتساع نطاق المواجهة، إذ إن أي هجوم جديد قد يفتح الباب أمام ردود انتقامية متعددة الجبهات، تمتد من لبنان واليمن إلى منطقة الخليج، بما يهدد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة والتجارة الدولية.
وفي المقابل، لا تزال قطر وباكستان وروسيا تلعب أدوارًا في إبقاء قنوات التواصل بين واشنطن وطهران مفتوحة، وسط محاولات لمنع انهيار المسار الدبلوماسي.
وتبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة: فإما أن تنجح الوساطات في احتواء التصعيد والوصول إلى تفاهم سياسي، وإما أن تتغلب الحسابات العسكرية والضغوط الداخلية على فرص التهدئة، لتدخل المنطقة مواجهة جديدة قد تكون تداعياتها أكثر اتساعًا وخطورة من سابقاتها.




