قمة بوتين وشي جين بينج.. موسكو وبكين تحذران من عالم «شريعة الغاب»

الصين

شهدت العاصمة الصينية بكين جولة جديدة من التقارب السياسي والاستراتيجي بين فلاديمير بوتين وشي جين بينج، في لقاء حمل رسائل سياسية واقتصادية واسعة، وسط تصاعد التوترات الدولية وتزايد الحديث عن إعادة تشكيل موازين القوى العالمية.

وجاءت زيارة الرئيس الروسي إلى الصين بالتزامن مع مرور 25 عامًا على توقيع معاهدة الصداقة والتعاون بين البلدين، لتؤكد رغبة موسكو وبكين في تعزيز شراكتهما على مختلف المستويات.

وخلال المحادثات التي استضافتها قاعة الشعب الكبرى، شدد الرئيسان على أن العلاقات الثنائية وصلت إلى مرحلة متقدمة وغير مسبوقة، مع تأكيد الجانبين استمرار التنسيق السياسي والاقتصادي والعسكري في مواجهة ما وصفاه بمحاولات فرض الهيمنة الأحادية على العالم.

وأكد بوتين أن التعاون مع الصين يمثل ركيزة أساسية للاستقرار الدولي، مشيرًا إلى أن العلاقات بين البلدين تشهد توسعًا متواصلًا في ملفات الطاقة والتجارة والسياسة الخارجية. كما وجّه دعوة رسمية إلى الرئيس الصيني لزيارة روسيا خلال العام المقبل، بالتزامن مع استعداد موسكو للمشاركة في فعاليات دولية تقودها بكين داخل آسيا.

من جانبه، وصف الرئيس الصيني الشراكة مع روسيا بأنها دخلت مرحلة جديدة أكثر عمقًا وتأثيرًا، مؤكدًا أن بكين وموسكو تتحركان نحو بناء نموذج تعاون يستند إلى الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

تحذيرات من تفكك النظام الدولي

وفي البيان المشترك الصادر عقب المباحثات، عبّر الطرفان عن قلقهما من تصاعد الاضطرابات الدولية، محذرين من خطر العودة إلى ما أسمياه «شريعة الغاب» في إدارة العلاقات الدولية، في ظل تراجع الالتزام بالقانون الدولي وتزايد السياسات الأحادية.

واتهمت موسكو وبكين بعض القوى الدولية بمحاولة فرض رؤيتها على العالم بالقوة، معتبرتين أن هذا النهج يعيد إنتاج سياسات الهيمنة القديمة ويهدد استقرار النظام العالمي. كما شدد البيان على رفض استخدام القوة العسكرية أو التدخلات السياسية لتغيير الأنظمة أو زعزعة استقرار الدول ذات السيادة.

وفي الملف الإقليمي، خصص الجانبان مساحة كبيرة للحديث عن تطورات الشرق الأوسط، حيث أكد الرئيس الصيني ضرورة التوصل إلى وقف شامل للحروب والصراعات في المنطقة، معتبرًا أن استمرار المواجهات يهدد الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة والتجارة الدولية.

وأشار شي جين بينج إلى أن المنطقة تمر بمرحلة دقيقة بين الحرب والاستقرار، داعيًا إلى إعطاء الأولوية للحلول السياسية والمفاوضات بدلًا من التصعيد العسكري، مع طرح رؤية صينية تقوم على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

رفض «القبة الذهبية» وتحذير من عسكرة الفضاء

وشهدت القمة أيضًا موقفًا مشتركًا ضد المشروع الدفاعي الأمريكي المعروف باسم «القبة الذهبية»، والذي يستهدف إنشاء منظومة فضائية متطورة لرصد واعتراض الصواريخ. واعتبر البيان الروسي الصيني أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى عسكرة الفضاء وتحويله إلى ساحة صراع مفتوحة، بما يهدد الاستقرار الاستراتيجي العالمي.

وأكد الجانبان رفضهما نشر أسلحة في الفضاء الخارجي، محذرين من أن استمرار سباقات التسلح سيزيد من التوترات الدولية ويقوض فرص تحقيق الأمن الجماعي.

وفي الملف الأوكراني، شددت موسكو وبكين على ضرورة معالجة ما وصفاه بالأسباب الجذرية للأزمة، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق سلام دائم. كما أشادت روسيا بالموقف الصيني الذي وصفته بـ«المتوازن وغير المنحاز» تجاه الحرب.

تعاون اقتصادي واتفاقيات جديدة

اقتصاديًا، حملت القمة رسائل واضحة بشأن توسيع التعاون التجاري والمالي بين البلدين، حيث أعلن بوتين أن التبادل التجاري بين روسيا والصين يتم حاليًا بالروبل واليوان بشكل شبه كامل، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.

كما وقع الجانبان نحو 20 اتفاقية تعاون في مجالات متعددة، شملت الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والتنسيق المالي، إلى جانب مشروعات تتعلق بالطاقة المتجددة وتعزيز الاستثمارات المشتركة.

وأكد الرئيس الروسي استعداد بلاده لمواصلة تزويد الصين باحتياجاتها من الطاقة، مشيرًا إلى وجود فرص واسعة للتعاون في مشروعات الطاقة النظيفة خلال المرحلة المقبلة.

خبراء: العالم يتجه إلى تعددية أقطاب

ويرى مراقبون أن القمة الروسية الصينية تعكس تحولات عميقة يشهدها النظام الدولي، خاصة مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى. وأوضح الدكتور معتز سلامة، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية، أن موسكو وبكين تسعيان إلى تقديم تصور مختلف للنظام العالمي، يقوم على مواجهة النفوذ الأمريكي ورفض الأحادية القطبية.

وأشار إلى أن العالم يعيش حاليًا مرحلة انتقالية معقدة، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، ما يجعل الحديث عن شكل النظام الدولي المقبل أكثر تعقيدًا، سواء كان متعدد الأقطاب أو ثنائيًا أو حتى مزيجًا من مراكز قوة متباينة في مجالات مختلفة.

وأضاف أن الصين، رغم صعودها الاقتصادي والسياسي، لا تبدو راغبة في تبني النموذج الأمريكي القائم على التدخل العسكري المباشر، بل تحاول تقديم نموذج يستند إلى النفوذ الاقتصادي والشراكات الدولية الواسعة، مدعومًا بثقل حضاري وتاريخي متزايد.