كتبت شيماء حمدالله
قبل أسابيع قليلة من انتخابات الكنيست الإسرائيلي، أضاف حادث طائرة «فلاي دبي» ملفًا أمنيًا جديدًا إلى السباق الانتخابي، الذي يدور أساسًا حول قدرة الحكومة على حماية الإسرائيليين والتعامل مع التهديدات المحتملة.
الحادث وقع في 30 سبتمبر على متن رحلة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب، بعدما اعتدى مساعد الطيار على قائد الطائرة وحاول السيطرة عليها، ما دفع الطاقم إلى تنفيذ هبوط اضطراري في مدينة تبوك السعودية. وانتهى الحادث دون إصابات بين الركاب، بعدما تمكن قائد الطائرة وعدد من المسافرين من إحباط المحاولة.
ومع استمرار التحقيقات بشأن دوافع المهاجم وأي صلات محتملة له بجهات أخرى، وجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الواقعة فرصة جديدة لتعزيز خطابه الأمني، بينما رأت المعارضة فيها مناسبة لإعادة طرح أسئلة بشأن جاهزية الحكومة وقدرتها على حماية الإسرائيليين.
نتنياهو يوظف حادث الطائرة في المعركة الانتخابية
لم يتأخر نتنياهو في التعليق على الحادث، إذ أشاد بالطيارين والركاب الذين تدخلوا لمنع وقوع كارثة، قبل أن تتحول الواقعة سريعًا إلى جزء من السجال السياسي الداخلي.
ورأى حلفاء الحكومة أن الحادث ينسجم مع التحذيرات التي أطلقها نتنياهو بشأن احتمال تعرض إسرائيل لهجمات قبل الانتخابات، بينما اعتبرت المعارضة أن الواقعة تطرح تساؤلات مختلفة تتعلق بمدى استعداد الدولة للتعامل مع المخاطر الأمنية، ودور المدنيين في احتواء التهديدات.
واكتسب الحادث أهمية سياسية إضافية بعدما وقع بعد يوم واحد من تحذير نتنياهو من احتمال تعرض إسرائيل لهجمات قبل الاقتراع المقرر في 27 أكتوبر، وهو ما دفع زعيم المعارضة يائير لابيد إلى طلب إحاطة أمنية.
لكن لابيد قال لاحقًا إن الإحاطة لم تتضمن أي تهديد مشابه لحادث الطائرة، أو تحذيرًا متعلقًا بطائرة بعينها، وفق ما أوردته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، الأمر الذي فتح سجالًا سياسيًا حول طبيعة المعلومات التي كانت متاحة للحكومة قبل وقوع الحادث.
«طوق نجاة» انتخابي لنتنياهو
الدكتور محمد عبود، أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة عين شمس المصرية، قال في تصريحات لوسائل الإعلام إن نتنياهو تعامل مع الحادث منذ اللحظة الأولى باعتباره فرصة انتخابية، وسعى إلى الإمساك بالسردية الإعلامية وتقديم نفسه باعتباره المسؤول الذي يتابع الأزمات ويعمل على حماية الإسرائيليين.
وأوضح عبود أن رئيس الوزراء حاول توسيع الرواية الأمنية لتتجاوز حدود الداخل الإسرائيلي، عبر تقديم الإسرائيليين باعتبارهم ضحايا لتهديدات خارجية، في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات وعزلة دولية بسبب الحرب في غزة.
وأشار أستاذ الدراسات الإسرائيلية إلى أن توظيف الحادث امتد، بحسب تقديره، إلى الفضاء الإلكتروني، حيث استخدم حزب الليكود مقاطع مصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تقدم نتنياهو في صورة «البطل المنقذ»، مقابل تصوير خصومه باعتبارهم مصدر تهديد لأمن الدولة.
المعارضة تفتح ملف 7 أكتوبر
الدكتور جهاد الحرازين، الأكاديمي والكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، قال في تصريحات إن حادث الطائرة يحمل تداعيات على الساحة السياسية الإسرائيلية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات الكنيست، لكنه يراه جزءًا من نمط أوسع في الخطاب الذي يتبناه نتنياهو منذ سنوات، والقائم على إقناع الناخب بأن إسرائيل تواجه تهديدات مستمرة وأنه الأكثر قدرة على التعامل معها.
وأضاف الحرازين أن المعارضة الإسرائيلية تنظر إلى الحادث من زاوية مختلفة، إذ ترى أن سياسات حكومة نتنياهو ساهمت في زيادة حالة العداء تجاه إسرائيل والإضرار بمكانتها الدولية، وهو ما تعتبر أنه انعكس على مستوى المخاطر التي يتعرض لها الإسرائيليون.
وربطت بعض الأصوات المعارضة حادث «فلاي دبي» بأحداث 7 أكتوبر 2023، عندما واجه مدنيون وقوات محلية الهجوم قبل وصول الاستجابة الأمنية الحكومية على نطاقها الكامل.
وفي واقعة الطائرة، ركز منتقدو الحكومة كذلك على أن الركاب شاركوا في إحباط محاولة السيطرة على الطائرة، بينما حاول نتنياهو الاستفادة من شجاعتهم في تعزيز خطابه حول الأمن والحماية.
معركة نتنياهو على 61 مقعدًا
ويرى عبود أن التحدي الانتخابي أمام نتنياهو لا يتعلق فقط بموقعه داخل حزب الليكود، وإنما بقدرته على تشكيل حكومة تحظى بأغلبية 61 مقعدًا في الكنيست.
وبحسب تقديره، يستطيع نتنياهو في أفضل السيناريوهات بالنسبة إلى معسكره الحفاظ على موقعه داخل الليكود وتحصين قائمته من المنافسين الداخليين، لكن ذلك لا يعني امتلاكه ضمانة لتشكيل ائتلاف حكومي قادر على الحصول على الأغلبية المطلوبة.
وتظل الحسابات الانتخابية مرتبطة بغياب أغلبية واضحة لأي من المعسكرين، ما قد يفتح الباب أمام تحالفات سياسية معقدة أو استمرار حالة الجمود إذا عجز أي طرف عن جمع الأصوات اللازمة لتشكيل الحكومة.
هل يمنح الحادث اليمين دفعة انتخابية؟
الحرازين يرى أن حادث «فلاي دبي» قد يمنح اليمين دفعة مؤقتة، بعدما أعاد ملف الأمن والتهديد الخارجي إلى صدارة النقاش السياسي، لكنه لا يعني بالضرورة تغيرًا واسعًا في مواقف الناخبين الإسرائيليين، خصوصًا مع استمرار الانقسام الداخلي بشأن نتنياهو وحكومته.
في المقابل، يرى عبود أن نتنياهو يسعى إلى تحويل الحادث إلى جزء من معركة أكبر حول «رواية الأمن»، بحيث لا يقتصر السؤال أمام الناخب الإسرائيلي على هوية الطرف الذي سيحكم، وإنما يمتد إلى سؤال آخر يتعلق بمن يستطيع حماية إسرائيل من الأخطار المقبلة.
هل يغير حادث فلاي دبي خريطة الانتخابات؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات موثوقة تسمح بالقول إن حادث «فلاي دبي» أحدث تحولًا كبيرًا في اتجاهات التصويت.
وأظهرت استطلاعات سبقت الحادث منافسة متقاربة بين القوى السياسية الإسرائيلية، مع استمرار صعوبة تشكيل ائتلاف حكومي واضح لأي من المعسكرين.
كما أظهرت التغطيات الانتخابية اعتماد نتنياهو مجددًا على صورته باعتباره «حامي إسرائيل»، رغم أن هجوم 7 أكتوبر 2023 أضعف هذه الصورة وفتح نقاشًا واسعًا حول المسؤولية السياسية والأمنية للحكومة.
وبين رواية الحكومة التي تقدم الحادث باعتباره تهديدًا أمنيًا جديدًا، ورواية المعارضة التي تستخدمه لإثارة التساؤلات حول جاهزية الدولة، تبدو واقعة «فلاي دبي» مرشحة للبقاء ضمن السجال الانتخابي الإسرائيلي خلال الأسابيع المقبلة.
لكن حجم تأثير الحادث على صناديق الاقتراع سيظل مرتبطًا بما ستكشفه استطلاعات الرأي اللاحقة، وما إذا كان الناخب الإسرائيلي سيغير موقفه بالفعل على خلفية الواقعة أم ستبقى مجرد ورقة إضافية في معركة «من يحمي إسرائيل؟».



