صراع "مناجم الذهب" يشعل خلافات طالبان في أفغانستان

مناجم الذهب في أفغانستان

تصاعدت حدة الخلافات الداخلية بين القيادة المركزية لحركة طالبان، وأحد أبرز قادتها المحليين في الشمال؛ مما دفع وزير الدفاع الأفغاني، مولوي يعقوب مجاهد، لإجراء زيارة ميدانية عاجلة، اليوم الاثنين، إلى ولاية "بدخشان" شمال شرقي البلاد، وسط مخاوف متزايدة من تحول التوتر الدبلوماسي إلى مواجهة مسلحة في منطقة حدودية بالغة الحساسية.


​وكشفت مصادر مطلعة عن أن زيارة وزير الدفاع جاءت للوقوف على الوضع الأمني والعسكري ميدانيًا، بعد تعثر المفاوضات بين وفد الحركة والقائد المحلي النافذ "جمعة خان فاتح" (نائب حاكم ولاية زابل السابق)، وتزامنًا مع دفع كابول بتعزيزات عسكرية مكثفة إلى الولاية. وتفقد "مجاهد" المناطق الحدودية المتاخمة لكل من الصين وباكستان وطاجيكستان، في خطوة استباقية لضمان إحكام السيطرة على الحدود ومنع خروج الأوضاع عن السيطرة في حال انفجار الموقف عسكريًا.


ثروات بدخشان تفجر الأزمة

​وتعود جذور الأزمة المفاجئة إلى قرارات اتخذتها قيادة طالبان بهدف تقليص نفوذ القيادات المحلية في معاقلها؛ حيث أصدرت قرارًا بنقل "فاتح" من مسقط رأسه ومنطقة نفوذه في بدخشان لتعيينه نائباً لحاكم ولاية زابل (جنوب البلاد)، وهو ما اعتبره أنصاره محاولة لإبعاده عن "مناجم الذهب" التي بسط نفوذه عليها منذ عودة الحركة للحكم في أغسطس 2021. وتفاقم الوضع عقب صدور أوامر حاسمة من كابول بحظر التنقيب والاستخراج غير القانوني للذهب في المنطقة.


​ورغم إعفاء "فاتح" من منصبه في زابل يونيو الماضي، وعرض الحركة عليه منصبًا رفيعًا في جهاز الاستخبارات قبل أسبوعين كـ "ترضية سياسية"، إلا أنه رفض العرض وتمسك بالبقاء في بدخشان. ورصدت مصادر محلية تحركات عسكرية لطالبان نحو مناطق "درواز"، وتمركز جزء منها في مديرية "نُسَيْ" التي تعد القاعدة الرئيسية والشعبية لـ "فاتح".


​وفي محاولة لتهدئة الأجواء، بثّت وسائل إعلام تابعة للحركة تسجيلاً صوتياً منسوباً للقائد المحلي، نفى فيه الأنباء المتداولة حول تجريد قواته من السلاح، مؤكدًا ولائه لـ "النظام" مع الإقرار بوجود "تباينات في وجهات النظر"، مشددًا على أن الخلافات الداخلية لا تعني التخلي عن الحكومة.


التوازنات العرقية والمخاوف الإقليمية

​ويرى مراقبون أن قيادة طالبان تتحرك بحذر شديد وتتجنب الخيار العسكري المباشر؛ نظرًا للطبيعة الديموغرافية لولاية "بدخشان" ذات الأغلبية "الطاجيكية"، في حين تنتمي النواة الصلبة لقيادة الحركة تاريخيًا إلى قومية "البشتون" (جنوب وشرق البلاد). ويضفي هذا البُعد العرقي حساسية شديدة على الصراع، لما قد يثيره من نعرات قديمة بين كابول والولايات الشمالية التي تشكو من التهميش وإدارة مواردها مركزيًا.


​من جهة أخرى، يمثل الموقع الجغرافي لبدخشان "كابوسًا جيوسياسيًا" لطالبان؛ إذ تخشى الحركة أن تستغل أطراف إقليمية كـ "طاجيكستان" أو "باكستان" (التي تشهد حدودها اشتباكات متقطعة مع طالبان) أي اضطراب داخلي. وتتخوف الحركة تحديدًا من حدوث تقارب بين "فاتح" وجبهات المعارضة المسلحة (مثل جبهة الحرية أو جبهة المقاومة الوطنية) التي تنشط في الشمال وتحظى بدعم سياسي وإعلامي على الأراضي الطاجيكية.


​أما على الصعيد الصيني، فإن أي انفلات أمني في بدخشان يثير قلق بكين المباشر، لا سيما مع تواتر تقارير دولية تفيد بنقل مقاتلين من "حركة تركستان الشرقية" الأويجورية إلى ولايات الشمال.


​ويجمع الخبراء على أن زيارة وزير الدفاع تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة طالبان على احتواء تصدعاتها الداخلية عبر القنوات الدبلوماسية، وإثبات قدرتها على ضبط الأمن في واحدة من أعقد مناطق البلاد وأكثرها حساسية للدول المجاورة.