كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عن ملامح استراتيجية منسقة ومخططة بعناية تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب، بهدف ممارسة ضغوط قصوى على غير المواطنين، بما في ذلك العديد من المقيمين في الولايات المتحدة بصفة قانونية، لإجبارهم على مغادرة البلاد طوعاً.
وتعتمد هذه الخطة البيروقراطية على تحريك كافة الروافع الإدارية الممكنة لتقليص الحوافز التي تجذب الوافدين، وعزلهم تماماً عن سوق العمل، والخدمات المالية، والرعاية الصحية، وبرامج السكن ورعاية الأطفال، فيما بات يُعرف بسياسة "الترحيل الذاتي".
أوامر تنفيذية بعيداً عن الرقابة التشريعية للكونجرس
وتتحرك هذه الإجراءات التنظيمية الواسعة تحت إشراف مباشر من ستيفن ميلر، كبير مستشاري الرئيس ترامب، والذي يسعى لتعجيل إعادة صياغة سياسة الهجرة الأمريكية عبر الأوامر التنفيذية واللوائح الفيدرالية، بعيداً عن أروقة الكونجرس والتعقيدات التشريعية، وينطلق ميلر في رؤيته هذه من قناعة شخصية أوردتها الصحيفة، يرى فيها أن المهاجرين يعيدون إنتاج ظروف أوطانهم المنهارة داخل المجتمع الأمريكي، مما يهدد في نظره الهوية الوطنية والازدهار الاقتصادي للبلاد.
حظر المناطق المؤمنة وفصل العمالة القانونية
وفي مسار التضييق على فرص العمل، بدأت الإدارة الأمريكية بالفعل في تنفيذ تغييرات تنظيمية صارمة أدت إلى فصل آلاف المهاجرين الذين يعملون منذ عقود بشكل قانوني داخل المنشآت الحيوية، وتبرز عمالة المطارات كأحد أوضح الأمثلة على هذا التحول، حيث جرى حرمان حاملي "وضع الحماية المؤقتة" من دخول المناطق المؤمنة، بعد أن أسقطت الإدارة عن هذا الوضع صفة الإقامة المصرح بها التي تسمح بمباشرة مهامهم الوظيفية، لترسخ العرف الجديد الذي يرى فيه المسؤولون أن العمل في أمريكا هو امتياز محض وليس حقاً مكتسباً.
تجفيف منابع الخدمات العامة والرعاية الطبية
ولم تتوقف الضغوط عند حدود العمل، بل امتدت لتطال شبكات الأمان الاجتماعي والصحي؛ إذ تعتزم الإدارة حرمان الأطفال المولودين على الأراضي الأمريكية من إعانات رعاية الطفولة إذا كان أحد الوالدين غير مواطن، فضلاً عن حظر حصول حاملي "الجرين كارد" على قروض الأعمال الصغيرة المدعومة حكومياً، وتزامن ذلك مع تراجع الإدارة عن السياسات التي كانت تسمح للمهاجرين غير الموثقين بالوصول إلى العيادات الصحية المجتمعية، مما فجّر موجة ذعر عارمة دفعت آلاف المرضى إلى العزوف عن طلب العلاج خوفاً من الملاحقة والترحيل، لتتحول عيادات مناطق حيوية مثل "سانتا باربارا" إلى ما يشبه مدن الأشباح.
حصار مالي وسكني يستهدف العائلات المختلطة
وعلى الصعيد المعيشي، تتجه وزارة الإسكان والتنمية الحضرية نحو تطبيق حظر شامل يمنع الأسر المختلطة، التي تضم مواطنين وأقارب غير مواطنين، من العيش في مشروعات السكن العام، وهو الإجراء الذي يهدد بتشريد نحو عشرين ألف أسرة بشكل مباشر، ويتكامل هذا الحصار السكني مع تعديلات ضريبية أقرتها إدارة ترامب لحرمان العائلات التي تضم آباء غير موثقين من الاستفادة من الائتمان الضريبي للأطفال، حتى لو كان الأبناء يحملون الجنسية الأمريكية وصفتها القانونية الكاملة.
عملية "نشل الجيوب" وملاحقة الحسابات المصرفية
وفي تطور أمني ومالي لافت، كشفت الصحيفة عن سجلات سرية تُنشر لأول مرة، تُظهر إطلاق عملاء فيدراليين لتحقيق واسع النطاق أُطلق عليه اسم "عملية نشل الجيوب"، ويستهدف هذا التحقيق تتبع شبهات احتيال مزعومة يقوم بها مهاجرون لفتح حسابات بنكية وإصدار بطاقات ائتمانية، على الرغم من أن القوانين السارية تمنحهم هذا الحق بموجب وثائق هوية محددة، مما يبرهن على رغبة الإدارة في تجفيف أي نشاط مالي لهؤلاء الأشخاص ودفعهم قسراً إلى العيش في الظل.
النزوح الطوعي وإنهاء هجرة الرفاهية
وقد نجحت هذه الاستراتيجية الشاملة والمكثفة في إجبار المهاجرين على الانكفاء والتواري، حيث باتوا يخشون دفع الضرائب أو زيارة الأطباء أو حتى التنقل اليومي المعتاد، وأكدت مؤشرات "نيويورك تايمز" أن هذه الضغوط المتلاحقة أسفرت بالفعل عن نزوح وهجرة طوعية لأكثر من مائة وستة عشر ألف شخص لا يحملون وضعاً قانونياً دائماً إلى خارج الولايات المتحدة، وذلك وفقاً لبيانات داخلية مسربة من وزارة الأمن الداخلي، في إطار سعي الإدارة الحثيث لإنهاء ما يصفه مستشار البيت الأبيض بـ "هجرة الرفاهية".

