عبدالرحمن الكفراوي يكتب: العنف الأسري.. عندما يتحول البيت من مصدر للأمان إلى مصنع للخوف

عبدالرحمن الكفراوي

كتبت شيماء حمدالله 


ليست الأسرة مجرد علاقة قانونية تجمع أشخاصًا تربطهم صلة الزوجية أو القرابة، وإنما هي البيئة الأولى التي يتشكل داخلها وعي الإنسان وشخصيته، ومنها يتعلم معنى الأمان والثقة والاحترام وكيفية التعامل مع الآخرين. 


لذلك، فإن العنف الأسري الذي يقع داخل المنزل لا يبقى محصورًا بين جدرانه، بل قد يمتد أثره إلى المدرسة والشارع والعمل، ثم ينتقل في بعض الحالات إلى الأسرة التي يؤسسها الطفل عندما يكبر.


العنف الأسري، بهذه الصورة، لا يمثل مشكلة فردية بين أفراد الأسرة، وإنما ظاهرة تمس أمن الأسرة واستقرار المجتمع، وتهدد حق الإنسان في السلامة الجسدية والنفسية والعيش داخل بيئة آمنة.


وقد أكدت دار الإفتاء المصرية أن العنف الأسري يشمل الأذى المادي والمعنوي، سواء كان مباشرًا أو غير مباشر، وأنه يحول الأسرة من مساحة للسكن والمودة والرحمة إلى بيئة يسيطر عليها الخوف والقلق والصراع.


ما هو العنف الأسري وما أبرز صوره؟


العنف الأسري لا يقتصر على الضرب والاعتداء الجسدي، رغم كونه الصورة الأكثر وضوحًا، وإنما يتخذ أشكالًا متعددة، من بينها العنف البدني كالضرب والركل والصفع وإحداث الإصابات، والعنف النفسي من خلال التهديد والتخويف والإهانة والتحقير المستمر.


ويشمل كذلك العنف اللفظي، مثل السب والقذف والتجريح والإذلال، والعنف الاقتصادي الذي يظهر في التحكم التعسفي في الموارد المالية أو حرمان أحد أفراد الأسرة من احتياجاته الأساسية.


ويمتد الأمر إلى الإهمال، خصوصًا عندما يتعلق بالأطفال واحتياجاتهم للرعاية والحماية والمتابعة، فضلًا عن العنف الجنسي واستخدام الأطفال وسيلة للانتقام بين الزوجين أو الضغط على أحد الطرفين.


وقد يكون العنف ظاهرًا في صورة اعتداء جسدي مباشر، وقد يكون مستترًا خلف الإهانة المستمرة أو التخويف والسيطرة، لكن النتيجة في الحالتين واحدة، وهي تقويض الشعور بالأمان داخل الأسرة.


كيف يؤثر العنف الأسري على الأطفال؟


يبقى الأطفال الحلقة الأضعف والأكثر تعرضًا للآثار الممتدة للعنف الأسري، فالطفل غالبًا لا يمتلك القدرة على حماية نفسه أو مغادرة البيئة التي يتعرض فيها للعنف.


والأمر لا يتطلب أن يكون الطفل ضحية مباشرة للاعتداء حتى يتأثر به؛ فمجرد مشاهدة أحد الوالدين وهو يتعرض للضرب أو الإهانة قد يترك آثارًا نفسية وسلوكية عميقة.


ومن أبرز هذه الآثار فقدان الطفل الشعور بالأمان، إذ يتحول المنزل الذي يفترض أن يكون ملاذه الآمن إلى مصدر للخوف والقلق. 


كما قد يؤدي العنف إلى اضطرابات في الشخصية والسلوك، وقد يتعلم الطفل بصورة غير مباشرة أن القوة والعنف وسيلة لحل النزاعات وفرض الإرادة.


كذلك يمكن أن ينعكس الخوف والتوتر المستمر على التحصيل الدراسي وقدرة الطفل على التركيز، فضلًا عن فقدان الثقة بالنفس، خصوصًا عندما يصاحب العنف تحقير مستمر أو إشعاره بأنه عديم القيمة.


ولا تتوقف آثار العنف بالضرورة عند مرحلة الطفولة، فقد تمتد إلى مراحل عمرية لاحقة وتؤثر في قدرة الإنسان على بناء علاقات مستقرة وسوية.


العنف الأسري خطر على المجتمع كله


إذا كانت الأسرة هي الوحدة الأساسية في بناء المجتمع، فإن اضطراب العلاقات داخلها ينعكس حتمًا على المجتمع بأكمله.


انتشار العنف الأسري يمكن أن يسهم في إنتاج أجيال أكثر قابلية للعدوان، ويزيد من احتمالات النزاعات الأسرية والانحراف السلوكي والتفكك الاجتماعي. 


فالطفل الذي يتعلم داخل أسرته أن القوة هي الطريق للحصول على الحقوق قد ينقل هذه الثقافة إلى المدرسة والعمل والشارع.


لهذا، فإن مكافحة العنف الأسري لا تعني فقط حماية ضحية بعينها، وإنما تعني أيضًا حماية المجتمع من إعادة إنتاج العنف عبر الأجيال.


ماذا يقول القانون المصري عن العنف الأسري؟


وقوع العنف داخل المنزل لا يعني خروجه من نطاق القانون، ولا يحول الاعتداء إلى شأن عائلي خاص لا تجوز مساءلة مرتكبه.


فالقانون الجنائي المصري يجرّم الاعتداء على سلامة جسم الإنسان، سواء كان مرتكب الاعتداء من أفراد الأسرة أو من خارجها. 


وقد نظم قانون العقوبات صور الاعتداء على الأشخاص، ومنها جرائم الضرب والجرح، وتتدرج المسؤولية الجنائية وفقًا لجسامة النتيجة المترتبة على الفعل.


وتتناول المادة 240 من قانون العقوبات حالات الضرب أو الجرح الذي يترتب عليه عاهة مستديمة، بينما تتناول المادة 241 الضرب أو الجرح الذي ينشأ عنه مرض أو عجز عن الأشغال الشخصية لمدة تزيد على عشرين يومًا، فيما تعالج المادة 242 الحالات التي لا تصل إلى هذه الدرجة من الجسامة.


وبالتالي، فإن صلة القرابة أو الزوجية لا تمنح أحدًا حق الاعتداء على جسد الآخر، كما أن تربية الطفل لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للإيذاء متى تجاوز الأمر حدود الرعاية والتوجيه إلى الاعتداء.


هل العنف داخل المنزل شأن خاص؟


من أخطر الأفكار التي ساهمت في استمرار بعض صور العنف الأسري الاعتقاد بأن ما يحدث داخل المنزل شأن عائلي لا يجوز التدخل فيه.


الخصوصية الأسرية محل احترام، لكنها لا تعني منح مرتكب الجريمة حصانة من المساءلة. فالأسرة ليست منطقة خارجة عن نطاق القانون، وإنما هي محل حماية خاصة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو الأشخاص الأكثر ضعفًا.


عندما يتجاوز الخلاف حدود الحياة الخاصة ويتحول إلى اعتداء على النفس أو الجسد أو الكرامة أو الحقوق، يصبح تدخل القانون ضرورة لحماية الإنسان.


العنف الأسري في ميزان الشريعة الإسلامية


قامت العلاقة الأسرية في التصور الإسلامي على السكن والمودة والرحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].


وعندما تتحول الأسرة إلى مكان للخوف والإهانة والاعتداء، فإنها تبتعد عن المقصد الذي أراده الشرع للعلاقة الأسرية.


كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وهو أصل واضح في حسن المعاشرة ومعاملة الأسرة.


وقد أكدت دار الإفتاء المصرية أن الحياة الزوجية تقوم على السكن والمودة والرحمة، وأن معالجة الخلافات الأسرية ينبغي أن تقوم على الرفق، كما أن الرحمة بالصغير أصل في التعامل معه.


هل يجوز استخدام العنف ضد الأطفال باسم التأديب؟


التربية والتوجيه لا يمكن أن يكونا غطاءً للإيذاء أو الإهانة أو الإذلال. فالتأديب في جوهره إصلاح وتقويم، بينما يتحول الأمر إلى عنف عندما يصبح الهدف منه إلحاق الأذى أو فرض السيطرة بالخوف.


وقد أولى الإسلام الطفل عناية خاصة، وأكدت دار الإفتاء المصرية أن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأطفال لم يكن قائمًا على العنف والضرب، وإنما على الرحمة والتوجيه والتربية.


كما أن القاعدة الشرعية العامة تقوم على منع الضرر، ومن ثم لا يجوز أن تتحول سلطة الأب أو الأم في التربية إلى وسيلة لإهدار سلامة الطفل أو كرامته.


ماذا عن قوله تعالى: «واضربوهن»؟


يجب الحذر من اقتطاع النصوص الشرعية من سياقها واستخدامها لتبرير العنف الأسري.


فالآية الكريمة في سورة النساء وردت في سياق معالجة حالة محددة من الخلاف الزوجي وبترتيب متدرج يبدأ بالوعظ ثم الهجر في المضجع، كما أكدت دار الإفتاء المصرية أهمية فهم النص في ضوء النموذج النبوي، مشيرة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب زوجة ولا خادمًا قط.


لذلك، لا يصح تحويل النص الشرعي إلى رخصة مفتوحة للعنف أو الإهانة أو الانتقام. كما أن العنف الأسري المعاصر بما قد يتضمنه من تعذيب وإصابات وإهانة نفسية وبدنية لا يجوز اتخاذ النصوص الدينية ذريعة لتبريره.


مواجهة العنف الأسري لا تكون بالعقوبة وحدها


تجريم العنف ومحاسبة مرتكبه أمر ضروري، لكنه لا يمثل وحده الحل الكامل للظاهرة. فالمواجهة تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالوقاية والتوعية وتصحيح المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالقوامة والتأديب وحقوق الزوجين والأطفال.


ويأتي التدخل المبكر في مقدمة وسائل المواجهة، لأن اكتشاف مؤشرات العنف في مراحلها الأولى قد يمنع تطورها إلى جرائم أكثر خطورة.


كما يجب توفير الحماية للضحايا، خصوصًا الأطفال، إلى جانب الدعم والتأهيل النفسي والاجتماعي للمتضررين، والعمل في بعض الحالات على تأهيل مرتكب العنف لمنع تكرار السلوك.


وتتحمل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والاجتماعية والجهات المعنية بإنفاذ القانون مسؤولية مشتركة في مواجهة الظاهرة، مع ضرورة رفض التستر على الاعتداء، خاصة عندما يكون متكررًا أو يستهدف طفلًا.


الأسرة الآمنة تبدأ من إدارة الخلاف دون عنف


حماية الأسرة لا تعني حماية مرتكب العنف من المساءلة، وإنما تعني حماية الأسرة نفسها من التفكك والانهيار.


فالأسرة الآمنة ليست الأسرة التي تخلو من الخلافات، لأن الاختلاف جزء من الحياة الإنسانية، وإنما الأسرة التي تعرف كيف تدير خلافاتها بالحوار والوساطة والنصح والإرشاد والاستعانة بأهل الخبرة، دون أن يتحول الخلاف إلى ضرب أو تهديد أو إهانة أو إذلال.


وفي النهاية، فإن العنف الأسري ليس مجرد خلاف عابر، وإنما ظاهرة قد تترك آثارًا طويلة المدى، خصوصًا عندما يكون الأطفال شهودًا عليها أو ضحايا لها.


وتلتقي القاعدة القانونية مع المقصد الشرعي في ضرورة حماية الإنسان من الأذى؛ فالقانون يجرّم الاعتداء على سلامة الأشخاص، بينما تقوم الأسرة في التصور الشرعي على المودة والرحمة والرفق.


لذلك، فإن مواجهة العنف الأسري تحتاج إلى معادلة متوازنة تجمع بين حماية الضحية، ومساءلة المعتدي، وتأهيل الأسرة، وتوعية المجتمع.


فالبيت الذي يتعلم فيه الطفل الرحمة، يمكن أن يخرج إلى المجتمع إنسانًا يعرف قيمة الرحمة، بينما البيت الذي يتعلم فيه أن القوة تعني الاعتداء قد يخرج للمجتمع ضحية للعنف أو ممارسًا له.


ومن هنا، فإن مكافحة العنف الأسري ليست دفاعًا عن الأسرة وحدها، بل دفاع عن مستقبل المجتمع كله.